فهرس الكتاب

الصفحة 9387 من 28557

مظاهر الغلو في الاعتقاد والعمل والحكم على الناس، لفضيلة الشيخ العلَّامة ابن برجس

ـ [سلمان أبو زيد] ــــــــ [12 - Jul-2008, مساء 06:22] ـ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

كَلِمَةٌ لِلشَّيْخِ عَبْدِ السَّلامِ بْنِ بَرْجسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى

ضمن بُحُوث ندوة أثر القُرَآنِ الكَرِيْمِ في تَحْقِيقِ الوَسِطيَّةِ

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على رسوله .. أما بعد: فإن من مظاهر الغلو: الغلو في الاعتقاد، والعمل، والحكم على الناس.

1 -الغلو من الاعتقاد:

أما الغلو في الاعتقاد: فهو مجاوزة الحد فيما شرع الله تعالى من الأمور الاعتقادية فإن الله تعالى إنما أنزل الكتاب وبعث المصطفى ليكون الدين كله لله، والغالي لا يكتفي بما أنزل تعالى من الشريعة الكاملة، بل يسعى إلى الزيادة على ما شرع الله، ومخالفة ما قصده الشارع من التيسير على المكلفين إلى التشديد على نفسه وعلى غيره، ونسبة ذلك إلى شرع الله تعالى. والغلو في الاعتقاد أخطر أنواع الغلو؟ ذلك بأن الاعتقاد درجة عالية من جزم القلب بما فيه من رأي أو فكر أو شرع، فأصعب ما يكون انتزاعها؛ لأن صاحبها يدافع عنها كما يدافع عن دمه وماله وعرضه، ومعلوم أن الغالي إنما يعتقد ما يتوهم أنه شرع الله وليس كذلك، بل إنما يعتقد فكرا أو رأيا مصدره الهوى.

ومن هنا كان تحذير علماء المسلمين من أهل ال بدع والأهواء أكثر من تحذيرهم من أهل المعاصي والفسوق فالضرر الحاصل بالغلو في الاعتقاد أعظم من الضرر الحاصل بالغلو في العمل.

ومن أبرز الأمثلة على هذا النوع من الغلو:

غلو الخوارج وهم الفرقة المعروفة في جسم الأمة الإسلامية منذ العصر الأول: إنهم فئة قادهم الغل و في الحكم على صاحب المعصية إلى إلحاقه بمن وقع في الكفر بالله تعالى فكان هذا الغلو الاعتقادي دافعا لهم إلى سلسلة من الجرائم الكبرى بحق الأمة الإسلامية:

(أ) - حيث دفعهم إلى تكفير حكام المسلمين بمجرد الوقوع في المعاصي.

(ب) - ثم تكفير عامة من لم يقنع بقولهم هذا من المسلمين، فكفروا المجتمعات المسلمة

(ج) - فقاتلوا المسلمين، وخرجوا على حكامهم. وهكذا صور كثيرة من الظلم والاعتداء وإيهان قوة المسلمين، ارتكبها هؤلاء لأجل غلوهم في دين الله تعالى

وقد كشف الحديث النبوي الشريف هذا الجانب السيئ في هذا الاتجاه، ففي صحيح ابن حبان (1) عن جندب البجلي أن حذيفة حدثه قال: قال رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «إِنَّ مَا َأتَخَوَّفُ عََليْ ُ كمْ رَجُل َقرََأ اْلُقرْآن َ حَتَّى إَِذا رُئِيَتْ بَهْجَتُهُ عََليْهِ وَكَان رِدْءًا لِلْإِسَْلامِ، َ غيَّرَهُ إَِلى مَا شَاءَ اللَّهُ، فَانْسََلخَ مِنْهُ، وَنَبَذهُ وَرَاءَ َ ظهْرِهِ، وَسَعَى عََلى جَارِهِ بِالسَّيْفِ، وَرَمَاهُ بِالشِّرْكِ"قَال: ُقلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، َأيُّهُمَا َأوَْلى بِالشِّرْكِ، الرَّامِي َأمِ الْمَرْمِيُّ؟ قَال:"بَلِ الرَّامِي» .

فهذه الصورة تكشف الغلو الاعتقادي، كيف يبدأ صاحبه؟ ومن أين يأتيه الشيطان؟ وما يترتب على غلوه من المفاسد العظيمة:

حيث قتل النفس التي حرم الله، وخيانة الجار، وزعزعة أمن الدولة المسلمة. كل ذلك يشرح نظريا شؤم الغلو الاعتقادي، ويب ين عموم ضرره. ومن هنا جاء كتاب الله تعالى وجاءت السنة النبوية بالتحذير الشديد من الغلو، وبيان عواقبه الوخيمة في أمور الدين وأمور الدنيا. ففي مسند الإمام أحمد (2) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ غداة جمع: هَُلمَّ اْلُقط ْ لِي، َفَلَقطْتُ َلهُ حَصَيَاتٍ، هُنَّ حَصَى اْلخَ ْ ذفِ، َفَلمَّا وَضَعَهُنَّ فِي يَدِهِ، قَال:"نَعَمْ، بَِأمَْثالِ هَؤَُلاءِ. وَإِيَّاكمْ وَالْغُُلوَّ فِي الدِّينِ، َفإِنَّمَا هََلكَ مَنْ كَا َ ن َقبَْل ُ كمْ بِالْغُُلوِّ فِي الدِّينِ (3) ."

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت