فهرس الكتاب

الصفحة 16811 من 28557

ـ [ابو نذر الرحمان] ــــــــ [09 - Apr-2009, صباحًا 01:04] ـ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عندما تتحول الصهيونية إلى نكتة

د. عبد الوهاب المسيري

الصهيونية في جوهرها هي حركة لتخليص أوروبا من الفائض البشري اليهودي ( Jewish surplus ) عن طريق نقله من أوروبا وتوطينه في أية منطقة خارجها، وقد استقر الرأي على أن تكون فلسطين هي هذه المنطقة نظرًا لأهميتها الإستراتيجية، وارتباطها في الوجدان الغربي باليهود.

وحتى يتم تجنيد الجماهير اليهودية وتسهيل عملية نقلهم، خدعهم الغرب بقوله إنهم سيذهبون إلى أرض بلا شعب، وإنه إن وُجد فيها شعب سيكون من السهل إبادته أو نقله أو استعباده كما حدث في التجارب الاستيطانية الإحلالية الأخرى.

وبالفعل فُتحت أبواب فلسطين للهجرة الاستيطانية اليهودية التي كانت تحميها قوة الاحتلال البريطانية. وتم إعلان الدولة الصهيونية العام 1948، وتصور المستوطنون أنهم كسبوا المعركة ضد السكان الأصليين. ولكن بعد بضع سنوات قليلة من الهدوء بدأت المقاومة الفلسطينية النبيلة بشكل فردي ثم ظهرت فصائل المقاومة الفلسطينية الواحدة تلو الأخرى، وراحت تطور من قدراتها تدريجيًا إلى أن وصلت إلى إنتاج الصواريخ وتحسين أدائها.

ومن الطريف أنه نظرًا لبساطة هذه الصواريخ وبدائيتها، فإن الرادارات الإسرائيلية غير قادرة على رصدها، ولذا ظهرت نكتة في إسرائيل تقول إنه لابد وأن تزود إسرائيل المقاومة الفلسطينية بصواريخ سكود حتى يمكن للرادارات الإسرائيلية أن ترصدها.

وتدريجيًا بدأ الإسرائيليون يشعرون أن انتصاراتهم العسكرية لا معنى لها، وأنها لم تنجح في تحقيق السلام أو الأمن لهم (فيما سماه المؤرخ الإسرائيلي يعقوب تالمون"عقم الانتصار"مقتبسًا عبارة هيجل) وأنهم خُدعوا عندما صُوِّر لهم أن عملية الاستيطان في فلسطين سهلة، وتدريجيًا تنامى إحساس بالورطة التاريخية.

ولكن ماذا يمكن لهم أن يفعلوا؟ أحد الحلول هو تجاهل الورطة تمامًا، وهذا ما تعبر عنه أحداث هذه القصيدة الفكاهية التي كتبها الشاعر الإسرائيلي إفرايم سيدون إبان الانتفاضة الأولى (والتي رفض التلفزيون الإسرائيلي إذاعتها) .

تدور أحداث القصيدة في غرفة صالون يجلس فيه أربعة أشخاص: الأب والأم والطفل، أما رابعهم فهو الجندي الصهيوني، وبالتالي فهي خلية استيطانية سكانية مسلحة. وقد اندلع خارج المنزل حريق (رمز الانتفاضة وظهور الشعب الفلسطيني) وبدأ الدخان يدخل البيت عبر النافذة، إلا أن الأربعة يجلسون بهدوء ويشاهدون مسلسلًا تلفزيونيًا ولا يكترثون بشيء. ثم ينشد الجميع:

هنا نحن جميعًا نجلس

في بيتنا الصغير الهادئ

نجلس في ارتياح جذل

هذا أفضل لنا، حقًا إنه أفضل لنا

-الأم: جيد هو وضعنا العام

-الجندي: أو باختصار .. إيجابي ...

-الأب: وإذا كانت هنا جمرة تهدد بالحريق

-الأم: طفلي سينهض لإطفاء الحريق

-الأب: وإذا اندلعت هنا وهناك حرائق صغيرة

-الأم: سيسرع ابني لإطفائها بالهراوة

-الأب: انهض يا بني اضربها قليلًا

ويخاطب الأب النار فيخبرها أنها مسكينة، وأنها لن تؤثِّر فيه من قريب أو بعيد، وأنه سيطفئها في النهاية. وحينما تأكل النيران قدميه لا تضطرب الأم، فالأمر في تصورها ليس خطيرًا، إذ لديه -كما تقول-"قدم صناعية" (لعلها مستوردة من الولايات المتحدة) ، والوقت -كما يقول الأب-"يعمل لصالحنا". ولكن الطفل ينطق مرة أخرى بالحقيقة المرة:

-الطفل: بابا، بابا، لقد حرقنا الوقت [الزمن]

-الأب: اسكت

-الأم: إن من ينظر حولنا ويراقب، يرى كم أن الأب لا ينطق إلا بالصدق كعادته

-الأب والأم: لقد أثبتنا للنار بشكل واضح من هو الرجل هنا ومن هو الحاكم

-الطفل: ولكن بابا ... البيت ...

-الأب: لا تشغلنا بالحقائق

وهذه القصيدة الفكاهية، شأنها شأن النكت، تخبئ رؤية متشائمة بشأن مستقبل المستوطنين الصهاينة الذين يستقرون في المكان وينكرون الزمان، فتحرقهم الحقيقة وهم جالسون يراقبون مسلسلًا تلفزيونيًا في هدوء وسكينة، أو يستمعون إلى الدعاية الصهيونية التي تنسيهم واقعهم في رضا كامل!

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت