فهرس الكتاب

الصفحة 25693 من 28557

هل هذا حقًا هو عصر السلفية؟

ـ [ابو معاذ الاثرى] ــــــــ [16 - Jun-2010, صباحًا 02:05] ـ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

فهل هذا حقًا هو عصر السلفية؟

كان يمكن أن نختار جانب السلامة ونقول:"لا"، من باب تطمين أعداء الإسلام عمومًا والسلفية خصوصًا، الذين ما يَفْتَئُونَ يحرضون كل من يستطيعون ضد السلفية، وفي المقابل كان يمكن أن نختار جانب البشرى بقول:"نعم"من باب تطمين الأتباع والمحبين، ولكننا بفضل الله -تعالى- لا نرضى أيًا من المسلكين، ولكن نحاول جاهدين أن نصف الواقع على ما هو عليه، وما وجدنا فيه من خير حمدنا الله عليه، وما وجدنا فيه من غيره استعنا بالله على العمل على تغييره.

ومن ثمَّ فالإجابة على هذا السؤال تحتاج منا إلى شيء من الرجوع إلى الوراء قليلًا لنرصد التغيرات التي طرأت على الواقع السلفي خلال ثلاثة عقود أو أكثر من الزمان، ومحور حديثنا منصب على الواقع المصري بصفة خاصة، وإن كانت التجربة قد تتشابه في كثير من البلدان.

تميزت الدعوة السلفية في الواقع المصري المعاصر في أول نشأتها بعدة خصائص كان من أهمها:

-الخاصية الأولى: أنها دعوة نخبوية

حيث مثل الجامعيون قوامها الرئيس قادة وأتباعًا، بالإضافة إلى أنهم اختاروا منهجًا دراسيًا متعمقًا يفوق في عمقه الدراسات التي تدرس في المعاهد الدينية بكثير، وزاد من صعوبة هذا المنهج أن معظم كتبه كتبت في عصور سابقة، وبلغة تعتبر بالنسبة إلى أهل هذا الزمان صعبة حتى كانت تعد كتب ابن تيمية وابن القيم -رحمهما الله- على ما فيهما من صعوبة على المبتدئ هما القوام الأساسي للمنهج العقدي والفكري للاتجاه السلفي، ولم تكن المطابع قد أخرجت لنا كل هذا الكم من الدراسات الإسلامية المعاصرة لسبب واضح، وهو أن هذه المطابع لم تطبع إلا بعد ما وجد القراء، ولم يوجد القراء إلا كنتيجة لوجود جيل درس العلم بلغة العلماء السابقين. هذا فيما يتعلق الخاصية الأولى وهي النخبوية.

-الخاصية الثانية: الوحدة المنهجية

التي كانت في غاية الظهور والوضوح إلى الدرجة التي ظن معها المخالفون وعدد لا بأس به من الأتباع أنه لا مجال للاختلاف مطلقًا في صفوف السلفيين، وسماهم مخالفوهم بمدرسة الرأي الواحد، وعلى الرغم من أن الدراسات الفكرية والأصولية التي كانت متداولة بين أيدي السلفيين في ذلك الوقت كانت تبين أن هناك مساحة مقبولة من الاختلاف إلا أن المعارك التي خاضها السلفيون مع العقلانيين والعلمانيين والقبوريين ودعاة البدع -وكل هذه من القضايا التي لا تقبل الخلاف بحال عند السلفيين- أعطت الانطباع بأنهم لا يقبلون الخلاف في أي مسألة، كما أن محدودية دائرة الانتشار أوجدت قدرًا كبيرًا من التوافق حتى في القضايا التي اختلف فيها سلف الأمة مما أعطى انطباعًا بأن السلفية هي مدرسة الرأي الواحد.

وأما الخاصية الثالثة: فكانت رفض السلفيين للمشاركة في أي من الأنظمة الاجتماعية أو السياسية المؤسسة على خلاف الشرع

حيث رأى السلفيون أن الأفراد والهيئات كلها يجب أن توجه لها الدعوة، ولكن لا يجوز الانضواء تحت لواء أي هيئة طالما كانت هيئة مخالفة للشرع.

وهذه الخصائص مجتمعة فرضت على السلفية درجة من درجات العزلة، فلغة خطابها فيها قدر كبير من الصعوبة، والنموذج التي تطالب الناس بتطبيقه فيه درجة بُعْد كبيرة عن النموذج المطبق في دنيا الناس بالفعل، فضلًا عن النموذج الذي تدعوا إليه اتجاهات إسلامية أخرى، كما أن رفض السلفيين الدخول لِلُّعبة السياسية جعلهم بعيدين عن حالة الاستقطاب التي كانت تمارسها بعض الاتجاهات القومية، بل والعلمانية مع بعض الاتجاهات الإسلامية كالإخوان، فبقيت الدعوة السلفية لا تغازل أحدًا ولا يغازلها أحد، بل بدا الأمر في بعض الأحيان على أنه لا يهابها أحد على نفسه اللهم إلا تيارات الغلو سواء في التكفير أو مفهوم الجهاد، والذين شعروا دائمًا في مواجهتهم أمام السلفيين بالتأخر الكيفي والكمي.

بيد أنه -شأن كل الحركات الاجتماعية- حصل أنواع من التطور بعضه نابع من داخل التيار السلفي أصالة، والبعض الآخر نابع من داخله كرد فعل لتطور خارجي، والبعض الثالث فرضته أحوال أخرى.

وكان من أبرزمظاهر هذه التطورات:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت