فهرس الكتاب

الصفحة 27109 من 28557

ـ [إبن سليم] ــــــــ [02 - Oct-2010, صباحًا 09:18] ـ

إن الإسلام هو النموذج النهائي و الصافي لرسالة التوحيد الإهية، جاء ليغير الإنسان و يعرفه بذاته من خلال تصويب علاقته بالله الخالق البارىء و وضعها في إطارها الصحيح. و يخلصه من عبادة العباد و الأصنام والأبقار و الفئران و النيران. فتحرر عقله و إلتقى بذاته و فهم القصد من وجوده فأبدع و برع.

لكن هذا الإنسان يختار طوعا الخروج من فسحة الإيمان و عبادة الله بإخلاص، ليدخل في مواضع تفسد عليه إعتداله و إستقراره النفسي و الإيماني و تعقد علاقاته بالآخرين و تدخله في الشرك الأصغر بالله كالغلو في حب المال أو النسب أو الوطن أو غيرها.

و الملاحظ أنه بعد إنقضاء الخلافة العثمانية، و تقسيمات المستخرب الغربي للوطن العربي و الإسلامي، تزعزع حس الوطنية عند العرب و تشرذم و أصبح كثير منهم ينادي بقوميته، التي حصرها في الحدود الجغرافية، و يسخر الآلة الإعلامية و المادية لخدمة مشروعه الترويجي. و هذا لا يعني أني ضد فكرة حب الوطن و الذود عنه و الإخلاص في خدمته، بل بالعكس، لأن الإسلام أقر هذا المعنى و الدليل هو قول رسول الله صلى الله عليه و سلم في مكة لما أخرجته قريش:"إنك لأحب أرض الله إلي و لولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت"بل إن الله عز و جل ساوى بين قتل النفس و الإخراج من الوطن في قوله:"و لو أنا كتبنا عليهم أن أقتلوا أنفسكم أو أخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم و لو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم و أشد تثبيتا"

لكن الغير مقبول هو الغلو البغيض، و ما له من أثر سلبي على تقارب الشعوب العربية و الإسلامية الشيء الذي نحن في أشد الحاجة إليه اليوم، الذي يخلق جو من التشاحن و التصارع على الوهم بداعي الحب للوطن، لأن النتيجة الأولى و المباشرة لمعنى الحب هو التضحية من أجل المحبوب و خير دليل على ذلك هو قول الله عز و جل:"قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ"آل عمران 31، فالذي يتبع رسول الله حبا في الله و فيه فلا بد له أن يضحي فالجنة ليست بالسهولة التي يتوقعها بعض الغافلين، كما ضحى النبي الأكرم عليه و آله أزكى الصلوات و التسليم، و صحابته الكرام و التابعين و الصالحين بالمال و الولد و النفس و الوقت.

و بناءا على هذا المعطى، لا يمكن أن يقنعنا أحد اليوم أن أكثر المجتمعات العربية المعروفة بحبها لوطنها الذي فات كل التصورات و الأعراف، هي تضحي من أجله بنفس مقدار ذلك الحب ليكون وضع البلد الإقتصادي و الديني و الثقافي و المعرفي و السياسي متسقا مع حجم تلك المشاعر الجياشة الظاهرة.

الإجابة أكيد لا، لأن ذلك البلد بالذات هو من أكثر البلدان العربية معاناة على العديد من المستويات و لأهله دور كبير في إستمرار تلك المعاناة كما هو الأمر في باقي المجتمعات العربية فأنا من الفريق الذي يرى أن الشعوب هي التي تقرر مصيرها فبقدر وعيها و إجتهادها يحصل رقيها و تقوى شوكتها.

إذا فما هو تفسير ذلك الهيام الإستثنائي أو المرضي إن صح التعبير؟

المجتمع الذي أتحدث عنه، و الذي كان من أكثر الشعوب ترحيبا بالإسلام أيام الفتوحات، هو سليل لحضارة الملك الإه و غالبا ما تعرف تلك المجتمعات العبودية القديمة، التي تتخذ من ملوكها آلهة، بفقرها الروحي، فتجد تعويضه في تعظيم الجمال الجسماني و القوة المادية و تربط القداسة بالظخم و الصلب و القاسي و الغير قابل للتغيير أو التبدل. و هذا ما يفسر بناء مجتمع بلاد الرافدين القديم للحدائق المعلقة في بابل و قوم عاد و ثمود الذين كانوا يتخذون بكل ريع (جبل) آية فارهين و مستكبرين، و هو بذاته ما يفسر بناء الفراعنة للأهرامات و المعابد الضخمة.

لكن لسائل أن يسأل هنا: و هل هذا المجتمع المعاصر الذي تتحدث عنه يعبد ملكه (رئيسه) أو يبني حدائق معلقة أو ينحت الجبال أو يبني أهراما؟

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت