فهرس الكتاب

الصفحة 27110 من 28557

بالتأكيد لا، و لكن المجتمع الذي أتحدث عنه و الذي سبق أن ذكرت أنه سليل لحضارة الملك الإه هو قطعا في الوقت الحاضر لا يعبد ملكه أي رئيسه، وأيضا لا يبني أهرامات جديدة لكن هو، في الأمس القريب، قد جدد العهد مع شبيه الملك الإه لما وصل إلى السلطة رجل له فكر قومي جديد مبني على الحدود الجغرافية لا العقيدة كما قال الإمام البنا عليه رحمة الله، ذلك الرجل حرك في قومه النزعة الجاهلية القديمة للوهم بالريادة و المثالية و الخلود، و إستطاع تجسيد السلطة و الدولة القهرية التي تسخر كل إمكانيات الدولة لخدمة أفكاره و رآه فكان شديد الشبه بفرعون الذي قال"لا أريكم إلا ما أرى و ما أهديكم إلا سبيل الرشاد". هذا بالإضافة إلى فتور المناخ الإيماني و الفقر الروحي خاصة في تلك المرحلة التي كثرت فيها الحفلات و السهرات و الأفلام و التهريج و أقصي فيها أهل الصلاح و الإصلاح و الدين، الشيء الذي أرجع بدوره الحنين القديم للتعظيم و الحاجة للتمجيد و التأليه و التقديس لشيء ما لتعويض ذلك النقص الروحي.

لكن في هذا الزمان لم يعد لبناء هرم كبير أو ما شابه معنى. فإتجهت تلك الحاجة الملحة إذا للتعظيم و التقديس للبلد و الوطن نفسه، الذي وجدوا فيه مركز القوة بحكم أنه في تلك الفترة كان يعتبر الأكبر إقليميا من حيث القدرة الإعلامية و الإقتصادية و الآلة العسكرية و بذلك يجسد الوطن ذلك الشيء الظخم و القاسي و الكبير الذي يبحثون عنه فأصبحوا مستعدين لفعل أي شيء و إن تعارض مع الأخلاق و الأعراف و الدين في سبيل تمجيده و تعظيمه و تقديسه.

و الحري بالذكر أن ذلك المجتمع في رجوعه إلى قومية ما قبل الإسلام و التأثر بثقافتها لم يكن وحيدا بل كل المجتمعات العربية و الإسلامية التي مرت بفترة الإستخراب الغربي تأثرت بتلك النزعة فكثر الإهتمام في بلاد الرافدين بالسومريين و بلدان الشمال الإفريقي بالقرطاجيين و في الشام بالسريانيين و الفينيقيين و هكذا مما أدى إلى حصول تذبذب في الفهم و التعاطي السليم مع الهوية الإسلامية العربية الذي ظهرت نتائجه السلبية سريعا على مجتمعاتنا ...

لكن العالم اليوم يتغير و المتمعن جيدا في مشهد التفاعل البشري يلمح و إن كان في الأفق البعيد بوادر توجه إنساني نحو قومية العقيدة التي غابت لما يقارب القرنين من الزمان أو ربما أكثر ...

إبن سليم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت