فهرس الكتاب

الصفحة 26172 من 28557

ـ [سلطان العميري] ــــــــ [21 - Jul-2010, صباحًا 08:14] ـ

المنهج العقلي عند الإمام أحمد بن حنبل

قراءة تحليلية

شاع في الأوساط الفكرية نتيجة لبعض الرواسب التاريخية عن المنهج السلفي وعن الإمام أحمد على الخصوص أنه معرض عن التفكير العقلي ومبتعد عن المنهجية العقلية في الاستدلال , ولعل من أسباب تكريس هذا التصور ما تواتر عن موقف الإمام أحمد وقت فتنة خلق القرآن , فإنه كان يطالبهم بالنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن أحد من الصحابة على صحة قولهم , ويأبى أن يخوض في المسألة من غير هذا الطريق , فتعمق بناءً على هذا المنقول عنه أنه عالِم خبري محض لا يعطي أهمية للدليل العقلي فضلا عن أن يكون لدية منهجا مبنيا على العقل.

وقد تبنى هذا التصور طائفتان:

أما الطائفة الأولى: فهم كثير ممن لا ينتسب إلى المنهج السلفي جملة من المذاهب الكلامية المختلفة أو من المدارس الفكرية المعاصرة.

وأما الطائفة الثانية: فهم بعض أتباع المذهب السلفي , الذين ظنوا أن الطريق الوحيد للاستدلال على القضايا الدينية هو الطريق النقلي , وأهملوا بناءً على ذلك الطريق العقلي باعتباره طريقا غير شرعي يمثل الطريقة القبيحة في الدين , حتى غدا المنهج العقلي من مذمومات هذه الطائفة , وأضحى مناط ذمهم للمتكلمين يصاغ (بأنهم اعتمدوا على المنهج العقلي في دينهم) , مما تسبب في حدوث خلل في البنية الاستدلالية الصحيحة , وقد وجه ابن تيمية ذمه لهذه الطائفة في مواطن عديدة , وفي هذا يقول:"دلالة الكتاب والسنة على أصول الدين ليست بمجرد الخبر كما تظنه طائفة من الغالطين من أهل الكلام والحديث والفقهاء والصوفية وغيرهم , بل الكتاب والسنة دلا الخلق وهدياهم إلى الآيات والبراهين والأدلة المبينة لأصول الدين , وهؤلاء الغالطون الذين أعرضوا عما في القرآن من الدلائل العقلية والبراهين اليقينية صاروا إذا صنفوا في أصول الدين أحزابا ...." (الفتاوى 19/ 160) .

ونحن إذا رجعنا للإمام الأبرز للمذهب السلفي لنستجلي حقيقة موقفه من التفكير العقلي في وتنبين مدى حضوره في بناء تصوراته ومفاهيمه , فإنا نجد الصورة مختلفة عما هو شائع.

فليس خافيا للمطلع عل نتاج الإمام أحمد وعلى سيرته مدى حضور التسليم للنصوص الشرعية لديه وعمق خضوعه للنص الديني وتجذره في أعماق عقائده وتصوراته , ولكنه جمع مع هذا حضورا مكثفا للدليل العقلي في حواراته وغورا عميقا للمنهجية العقلية في سجالاته واستدلالاته , وهذا المنهج ظهر جليا في كتابه (الرد على الزنادقة والجهمية) الذي ألفه بعد أن خاض حورات واسعة مع رؤوس منهج الكلامي الناشئ.

وقد أكد عدد من العلماء حضور الدليل العقلي في هذا المنصف الصغير , وفي بيان هذا يقول أبو يعلى:"وقد احتج أحمد رحمه الله بدلائل العقول في مواضع فيما خرجه في الرد على الزنادقة والجهمية" (العدة 4/ 1273) , ويقول ابن مفلح:"وقد صنف الإمام أحمد رحمه الله كتبا في الرد على الزنادقة والقدرية في متشابه القرآن وغيره واحتج فيه بدلائل العقول" (الآداب الشرعية 1/ 227) , وتوارد على تأكيد هذا ابن عقيل وابن قاضي الجبل وابن القيم وغيرهم.

وأما ابن تيمية فإنه أكثر من تأكيد حضور الدليل العقلي عند الإمام أحمد , ونبه على فعاليته في المنظومة المعرفية التي يمتلكها الإمام أحمد , وكان يقول عنه: إنه من أكثر الأئمة استعمالا لأدلة العقول , بل إنه اعتمد عليه كثيرا في منهجيته العقلية , وهذا الاعتماد يظهر بأدنى قدر من القراءة لكتب ابن تيمية.

وتبرز معالم المنهجية العقلية عند الإمام أحمد في مستويين:

أما الأول: فهو المستوى الإجمالية , ويتبدى في النفس التحليلي الذي وظفه الإمام أحمد في ممارساته الاستنتاجية والنقدية , ويتجلى هذا النفس في تحليل الإمام أحمد لطريقة القرآن في بياناته وفي تركيب دلالاته , فقد جمع قدرا من الآيات التي ظنها المعارضون للقرآن من المنتاقضات , وبلغ عددها (19 إشكالا) , فحللها وفكك مضامينها , حتى توصل إلى إظهار انسجامها واتساقها , وجهده هذا يعد من أقدم الجهود التي قدمها العلماء في الدفاع عن القرآن , وأهمها , وقد سبق في ذلك علماء الكلام وغيرهم.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت