ـ [أبو عبدالله السعيدي] ــــــــ [27 - Aug-2007, صباحًا 12:58] ـ
ومما يثار من الشبهات على هذه الدعوة قول البعض عنها أنها دعوة محدودة الأهداف لا تتجاوز كونها مدرسة علمية، تدرس بعض العلوم النافعة كعلم الحديث، وتعمل على نشر التراث، وليست تملك مشروعًا تغييريًا يتناول جوانب الحياة المختلفة، ولا تملك برنامجًا سياسيًا وو ... الخ. والجواب عن هذه الشبهة وبالله - تعالى- التوفيق من وجوه عديدة منها:
أولًا: هذه شهادة من المخالف بأن هذه الدعوة توجه اهتمامها إلى العلم، وبالذات العلم النبوي الشريف، وهي شهادة يعتز بها حملة هذا المنهج لأنه كما يقال: والفضل ما شهدت به الأعداء، فقد علم الخاص والعام عناية هذه الدعوة بهذا العلم الشريف، وهذا العلم لا يقدر أحد أن يتهمه بأنه ليس شموليًا وليس منهجًا تغييريًا، لأنه علم السنة النبوية التي هي ثانية المصادر التشريعية، ومن اتهم علم الحديث والسنة بالقصور فقد وقع في العظائم.
إذًا فمنهجهم هو السنة، وهو منهج كامل وشامل لكافة نواحي الحياة، ففي السنة أنواع القواعد والأصول والمنطلقات العقيدة والعبادية والأخلاقية والسياسية والاقتصادية والدعوية والجهادية والاجتماعية، وفيها بيان الحقوق كلها حقوق الحاكم والمحكوم، وحقوق المرأة والطفل، والآباء والأبناء، والجيران والأقارب، والعلماء والقادة، والمسلم وغير المسلم، والحيوان والنبات، والجن والإنس والملائكة، وسكان الأرض وسكان السماء، وفيها قبل ذلك كله حق الله وحق أنبيائه ورسله.
ثانيًا: المخالف لهذه الدعوة يعترض في الحقيقة على الأولوية الدعوية بشكل عام، فمشائخ وعلماء الدعوة السلفية يرون توجيه الهم الأكبر نحو تثقيف الأمة الإسلامية، والبيان لأبنائها عن ماهية الإسلام وحقيقته، وعن التصور الصحيح عنه: عقيدة وشريعة، وسلوكًا وأخلاقًا، وسياسة واقتصادًا، حتى يكون هناك تصور كامل منبثق من الإسلام من أجل الدعوة منه وإليه، حتى لا ينسب أحد منهم إليه ما ليس منه، وحتى يكون على بصيرة فيما هو من المعروف وما هو من المنكر.
أما المخالف فله اهتماماته، فقد حدد له غايات معينة يركب في الوصول إليها الصعب والذلول، ويحاول أن يحشد كل الطاقات للوصول إلى ذلك الهدف، ويسلك طرقًا محلية ومستوردة، ويلتزم لوازم تجعله غارقًا في وحل الأفكار المستوردة التي نصبت له ليسلك عليها، فيصبح ويمسي وهو يفكر كيف يوفق بين المناهج المستوردة وبين شرائع الإسلام، ويأتي بالعجائب في هذه المحاولة التوفيقية، وكلما جاءت آبدة من هناك انبرى يبهرج ويقول هذا هو الإسلام بعينه، أو يقول الإسلام قد سبق إلى هذا، أو يمكن تخريج هذا؛ حتى يتوافق مع الشريعة الإسلامية زاعمًا أن هذا هو المنهج المرن الذي تتصف به الشريعة.
والحقيقة أن الأصل الشرعي ليس هو منهج التوفيق بل الشريعة بجميع فروعها وأصولها تهدف أساسًا إلى إيجاد الحواجز الفكرية والعقدية بين الشريعة وأهواء البشر، بل بينها وبين الأديان السماوية المنسوخة والمحرفة، فمن أصر على تلك الشرائع المنسوخة أو المحرفة ورفض الشرع الناسخ فهو كافر.
والحقيقة أيضًا التي يقررها القرآن أن التوفيق بين الإسلام وشرائعه وبين المناهج الأرضية ليس هو منهج المسلم الصادق وإنما هو من فعل المنافقين - صان الله كل داعية وكل مسلم عن صفاتهم - كما قال الله - تعالى-: (( وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودًا فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانًا وتوفيقًا أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولًا بليغًا ) )، وقد بينا في مقال سابق أن المرفوض إنما هو تلك الأفكار التي تشكل عقلية الإنسان ونظرته إلى الكون والإنسان والحياة بكافة جوانبها، والتي تستمد من المناهج الأرضية وليس ما يتعلق بالعلوم الصناعية المختلفة والعلوم الإدارية والتكنولوجية.
(يُتْبَعُ)