فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ثالثًا: كل الدعوات الكبيرة المعاصرة وعلى رأسها دعوة الإمام المجدد - أقول مجدد وإن كره البعض هذا الوصف - حسن البنا بدأت في أول أمرها بمنطقات دعوية محدودة، ولم تكن الاهتمامات السياسية والبرامج الشمولية من أوائل أعمالها، بل بدأت بأمور محصورة، وبأفراد محدودين للغاية لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، ثم صارت إلى ما صارت إليه ولم يكن ذلك عيبًا في الرؤية، أو خللًا في التفكير، وإنما كان العمل على قدر الطاقة، فمن وضع هذه الشبهة على السلفيين يحتاج إلى الجواب على هذا الإيراد بل يحتاج إلى الجواب عن دعوة الإسلام نفسه في أول أمره وبداية منشئه، إذ كانت له اهتمامات في تلك الفترة - فترة الضعف والغربة - تختلف عن اهتماماته في نهاية المطاف.
رابعًا: ليس المطلوب - وفي هذا الوقت بالذات - أن يكون للدعاة مطلقًا برنامج سياسي، أي برنامج ولو بالتلفيق من برامج الأحزاب الموجودة، ولو بالتسول والشحت من موائد البرامج السياسية لأصحاب المناهج الديمقراطية؛ لأن الأمر لو كان كذلك فليس في ذلك أي جديد، وليس فيه ما يفرح به، وإنما المهم ما جديدك الإسلامي، وما رؤيتك الإسلامية، وما هي السياسة الشرعية التي تنطلق منها لتخالف المنطلقات العلمانية، وما برنامجك ومنطلقاتك في العلاقات الدولية، وما الذي يميزك عن الأحزاب التي ملأت الشوارع والأسواق، وصكت الآذان بالميكرفونات والأبواق، وغطت الأجواء بالمنشورات والأوراق، فهل عندك شيء تفاخر به؟ أم أنك نسخة مصورة من الديمقراطية المزورة.
خامسًا: العدل في هذه المسألة هو التوجه إلى أصل المنهج السلفي: هل له رؤية في هذا المجال؟ هل له اهتمامات سياسية وبرامج تغييرية؟ وليس التوجه إلى الاهتمامات الآنية، والواجبات الحالية؛ لحملة هذا المنهج، لأنه قد يكون لهم اجتهادات وأولويات يرونها مناسبة للزمان والمكان تختلف عن اجتهادات الآخرين واهتماماتهم، ولكل وجهة هو موليها، ومن المعلوم أن الدعوة السلفية هي دعوة الإسلام في صورته الأولى الخالية من الشوائب والبدع، وهي ولا شك مشتملة على كل ما يحتاجه البشر دينًا ودنيا.
وليت شعري هذا المعترض على السلفيين بأنهم ليس لهم برنامج سياسي من أين أخذ منهجه وبرنامجه السياسي، فإنه إن كان برنامجه إسلاميًا محضًا فالإسلام حق الجميع، والكل ينهل منه، والذي فتح عليه حتى وصل إلى ذلك البرنامج سيفتح على الآخرين بمثله أو أحسن منه، فإن عجز السلفيون عن ذلك فقد يستفيدون منه، ويأخذون عنه في ذلك لأن القضية قضية علم تحتاجه الأمة في هذا المجال؛ فلا مانع من أن تستفيد الأمة - ومن ضمنها السلفيون - مما تنتجه وتستنبطه قرائح بعض أفرادها، وسنأخذ منهم ما احتجنا إليه، داعين لهم بالمثوبة من الله، مثوبة من دل على خير وإن كان مستوردًا أو ملفقًا، فهل التبعية الفكرية للأجنبي موضع افتخار وتطاول على الآخرين، وهل بضاعتهم الفكرية مما يجوز الترويج لها في بلاد الإسلام حتى يقال: هؤلاء السلفيون ما هو برنامجهم السياسي؟
سادسًا: من كانت مرجعيته الكتاب والسنة والتراث الفقهي العظيم لهذه الأمة على مدى تاريخها الطويل، وعلى مختلف العصور واختلاف البيئات والأمكنة والأحوال؛ أيعجز عن إخراج برنامج سياسي متى ما شاء، يحدد فيه منطلقاته الفكرية والتشريعية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك من الجوانب؟ كلا والله.
سابعًا: هناك فرق - في تصوري - بين الرؤية السياسية والبرنامج السياسي، فقد تكون الجماعة أو الفرد يمتلك رؤية سياسية وليس له برنامج سياسي، لأن البرنامج السياسي يفرضه واقع معين يستوجب الخروج إلى الناس به بقصد التفاف الناس حوله، أما الرؤية السياسية فهي حسب الطلب، فقد تحولها إلى برنامج عملي متى ما شئت، وقد تظل أفكارًا ومفاهيم مخزونة في مجموعة الرؤية المتكاملة لمختلف جوانب الحياة، فالسلفيون يملكون الرؤية السياسية التي هي أصل ومنطلق البرنامج السياسي.
ثامنًا: مرت فترة على الحركة الإسلامية في اليمن لم تكن تمتلك برنامجًا سياسيًا يخصها، ولم تكن ظاهرة في تكتل بارز للناس تحت شعار معين، وكانت دعوة تستهوي الكثير من أبناء هذا البلد، وقد التحق بها الكثير منهم، فهل كان الملتحقون بها مخطئين في ذلك لأن الدعوة والجماعة التي كانت تحتضنهم في تلك الفترة لم تكن تمتلك برنامجًا سياسيًا بل لم تكن حزبًا سياسيًا من الأصل.
تاسعًا: وعلى افتراض أن السلفيين لا يمتلكون برنامجًا سياسيًا فهل العمل السياسي فرض عين أم فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الآخرين، فمن قام به فله الأجر من الله، وعلى السلفيين القيام بما يقدرون عليه من بقيه الواجبات الأخرى - وما أكثرها -،داعين لإخوانهم الدعاة الآخرين أصحاب البرنامج السياسي بالنجاح والتوفيق.
عاشرًا: على القول بأن الحركة الإسلامية قد قامت بما عليها من الإصلاح السياسي الدستوري، وحولت الدستور من دستور علماني كما كان يقال إلى دستور إسلامي؛ فإن صح هذا التقدير فعلى أصول أهل السنة فلا داعي أصلًا لبرنامج سياسي من أساسه لأن البرنامج السياسي هو تفصيل رؤية الحزب السياسي الذي ينافس الحاكم، ويحاول إخراجه من موقع الحكم إلى موقع المعارضة، وهذا لا يجوز على أصول الدعوة السلفية لأنه من باب منازعة الأمر أهله، وهو ممنوع لديهم.
(يُتْبَعُ)