ـ [آل عامر] ــــــــ [04 - Aug-2007, صباحًا 12:57] ـ
الموقف من التفجير في بلاد المسلمين*
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد، فقد طلب مني كتابة كلمات في بعض أحداث التفجيرات الأخيرة التي حدثت في دولة عربية أفريقية، فاعتذرت لعدم إلمامي بدوافعها ومن خلفها ومسوغاتها وحقيقتها، فلما أُلح عليّ آثرت أن أكتب شيئًا حول منهج التفجير دون أن أُعَلِّق ذلك بحادثة معينة، أو جماعة معينة، لأن الأمر أكبر وأشمل من ذلك. فأقول مستعينًا بالله: إن كثيرًا من الأحداث التي لايمليها شرع ولا عقل ينبغي أن نتساءل عن دوافعها الحقيقية يوم تشير أصابع الاتهام فيها إلى الإسلام أو إلى شخصيات إسلامية.
وينبغي أن نراعي في هذا التساؤل أمورًا منها:
-هل الخبر جاءت به وسائل إعلامية موثوقة؟ لأن الله أمرنا بالتثبت، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحجرات: 6] .
-فإن كانت موثوقة فهل الحقيقة على ما ذكروا أم أنهم غُرر بهم وأوهموا أمرًا ما تريده جهات متحكمة دون أن يدركوا أبعاد ما فعلوه؟
ولست أدعو بهذا إلى إنكار الواقع أوالظاهر، لكن يجب النظر في الحوادث بعقل وعلم مع اعتبار القرائن، فبعض الجناة ربما بدرت عنهم أعمال لاتمت للشرع بصلة، ومع ذلك يحاولون تسويغها باسم الشرع، مع أنه قد يصدر في أفعاله عن محض هوى، أو بغية انتقام من ظلم وقع عليه، أو على بعض ذويه، غير أنه يحاول فيما بعد أن يصبغه بصبغة شرعية شأن كل مجرم وجان جنى على من يراه مجرمًا ثم دعاه داعي الهوى والنفس الأمارة إلى تسويغ عمله بخلع لباس شرعي على صنيعه.
وقد يحدث أن يكون تحركه ابتداء لنصرة ما يظنه دينًا، دون بصيرة أو علم.
ولا كبير فرق معتبر فالجامع بين الاثنين هو جهل كل منهما بالدين، تجد أحدهم لم يجلس في حلق العلم، ولم يترب على أيدي العلماء الربانيين؛ ولا عرف الفروق والتقاسيم، ولا درس مقاصد الشريعة، ولا ألم بقواعدها المقررة، ثم يريد إقامة دولة الإسلام دون أن يستند إلى فتوى عالم رباني معتبر، بل ربما رمى أولئك العلماء بالتهم والنقائص حتى تصدق دعواه، ويعذر في هواه! فسبحان الله كيف يقصد إلى ذلك المقصد العظيم من ليس أهلًا للنظر فيه فضلًا عن القيام به!
متى كان التفجير وتكفير الأمة وعلمائها سبيلًا للإصلاح؟
هب أن النظام في تلك الدولة لايطبق الشرع، فما ذنب المجتمع والأمة؟
كيف تُهدر دماءٌ محترمة، وتٌزهق أنفس معصومة بحجج واهية؟
هل سلك من هو أشجع منهم صلى الله عليه وسلم هذا المسلك مع من ظهر كفرهم وعظمت معاندتهم من صناديد قريش بمكة حال الاستضعاف قبل الهجرة؟
وهل يظن منصف أن تفجير مبنى أو قتل سائح -وإن لم تكن له شبهة أمان- سوف يسقط دولة ويقيم نظاما؟
ألا يعتبر هؤلاء بتجارب مريرة سبقت عاد أصحابها يعترفون بخطأ مسلكهم بعد خراب البصرة وضياع البصيرة؟
إننا لاندعو إلى إقرار الباطل، ولا إلى ترك الاحتساب عليه أوالاستسلام له، ولكن يجب أن يكون ذلك بسبيل مشروع، لا بترويع الآمنين وقتل ضعفة معصومة دماؤهم وأموالهم.
لقد صبرت رسل الله على دعوة أقوامهم ما صبروا فهذا نوح عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلاّ خمسين عامًا داعيًا لم يزهق روحًا ولاقتل كافرًا فكم صبرت أنت!
إنها دعوة للتعقل والنظر في عواقب الأمور والعمل بمنهج الإسلام الحق في الدعوة وسلوك منهجه في التغيير على بصيرة، وإلاّ فإن النية الصالحة -إن كانت حقًا صالحة- وحدها لاتكفي حتى تكون على منهج النبوة وسبيل المؤمنين.
لقد مكث نبينا صلى الله عليه وسلم بضع عشرة سنة في مكة ومعه رجال لم يكن أحدهم ليتأخر في تقديم روحه نكاية بالكفار لو كان ذلك مشروعًا، فليس أبناء اليوم والله أعظم شجاعة وأكثر غيرة على الدين منهم، بل آثر بعض الصحابة أن يفر بدينه إلى أرض البعداء صيانة لنفسه من الأذى.
(يُتْبَعُ)