فهرس الكتاب

الصفحة 11217 من 28557

لكن"اعمال العقل"لا بواكي له ..

ـ [عزام عز الدين] ــــــــ [30 - Sep-2008, مساء 10:57] ـ

كتاب لؤي صافي بذرة جديدة لعلم أصول فقه معاصر: ولكن 'إعمال العقل' لا بواكي له!

مقالة للدكتور أحمد خيري العمري -القدس العربي

بعض الكتب، تكون مثل منجم مطمور في جبل، يمر الناس أمامه، دون أن يلتفتوا إليه، ثم يحدث لاحقًا، وربما بعد قرون، وبعد مرور أجيال كانت تمر أمامه دون اهتمام، أن يكتشف هذا المنجم، ويستثمر، وإذا ما فيه من معادن، تصير ركنًا من أركان النهوض بأمة، كانت قبل غير ذلك غير مدركة لما يحتويه الجبل.

بعض الكتب تنتظر دورها ليحدث ذلك. يكتبها مؤلفها، بل ينزفها نزفًا من أعصابه ورؤيته المغايرة (والرؤية المغايرة باهظة الثمن دوما، لأن الخروج عن القطيع له ضريبته) ، بعضها يظل مهملًا في أدراج الناشرين ومشاغلهم وانشغالهم بنشر كل ما هو سائد ورائج ابتداءً من كتب التراث بغثها وسمينها إلى كتب التنجيم والطبخ مرورًا بكتب الجن.

بعضها يتمكن من أن يجد ناشرًا واعيًا يحتضنه، لكن الخروج من المطبعة ليس نهاية المطاف، إذ بعدها سيصطدم هذا الكتاب بكل شروط الانحطاط التي جاء الكتاب ليغيرها أصلا.

سيصطدم هذا الكتاب باللامبالاة، بالصمت، الذي هو أشد من أسوأ نقد، سيصطدم أولًا بقارئ لا يقرأ، وإذا قرأ فإنه لا يحاول إعمال عقله كثيرًا، وإذا فعل، ووجد أن ما قرأه يختلف عن السائد، فإنه إما سيرفضه جملة وتفصيلًا، أو سيضعه موضع الشك باعتبار أن كل ما هو جديد يجب أن يكون مشكوكًا بأمره، وبعد هذا أو ذاك، سيصطدم الكتاب أيضًا بحواجز (الشللية) التي هي ظاهرة أساسية من ظواهر (مواتنا الثقافي) ـ المسمى خطأ بحياتنا الثقافية- وهكذا فإذا لم يكن الكاتب وكتابه محسوبين على تيار معين، إذا كان ينادي بما هو خارج كل هذه التيارات، باتجاه تيار آخر، فإن أحدًا لن يلتفت إليه، أو سيلتفت باستخفاف وبلا مبالاة.

الإهمال جائزة الكتاب الجاد

بسبب من كل هذا، كان لا بد أن تمر عشر سنوات، على صدور كتاب (إعمال العقل) للؤي صافي، دون أن ينال عشر ما يستحق من اهتمام ..

عشر سنوات، بطبعتين، لم تنفد الثانية منهما، كان رجع الصدى هو الرد الأكثر رواجًا له. سمعت، شخصيًا، الكثير من الثناء الشفاهي عن الكتاب، سمعت حتى تفسيرات لعدم نجاحه (( تتراوح بين سوء الحظ وصعوبة اللغة ومسائل فنية أخرى ) )، لكني أعتقد شخصيًا أن عدم نجاح الكتاب (تجاريًا) وحتى عدم حصوله على اهتمام نقدي كافٍ من النخب، هو الشيء الوحيد المتوقع والطبيعي في كل الظروف السائدة. ألن يكون غريبًا جدًا، أن يتصدر كتاب جاد مثل هذا قائمة المبيعات، ألن يكون غريبًا لو أنه صدر بعشر طبعات مثلًا؟ أليس مستحيلا أن نراه-مثلا- على الرصيف بطبعة مزورة؟

مع سيادة العقل اللاعقلاني، والعقل الخرافي، والعقل الآبائي التمجيدي والعقل العاطل عن العمل، لا يمكن لكتاب يتحدث عن (إعمال العقل) إلا أن يلاقي ما لاقى، وإلا كان ذلك قدحا في مصداقية الكتاب. بعبارة أخرى، إن من أسباب عدم رواج الكتاب، كل ما ذكره الكاتب وشخصه من أمراض في العقل المسلم، أي أن عدم رواجه ـ حاليًا على الأقل ـ يمنحه المصداقية.

كتاب لؤي صافي هذا، يمثل ـ برأيي ـ إضافة جديدة ومميزة لكل ما كتب عن العقل المسلم، لدينا في الغالب ثلاثة مواقف من العقل في أدبياتنا؛ الأول تمجيدي إنشائي يبدأ بإحصاء مشتقات الفعل 'عقل' في القرآن الكريم وينتهي بذكر فضل علماء المسلمين على العالم، ولا يذكر من قريب أو بعيد لم توقف الاستمرار بهذا الفضل، والثاني موقف متوجس من العقل يضعه في موضع المشتبه به الدائم كنوع من ارث لذلك النزاع بين الفلاسفة والمتكلمين حول أولوية العقل والنقل، والثالث موقف يتجه إلى إقامة مجلس عزاء للعقل المسلم باعتباره قد مات وانتهى أمره، ويجب أن نستورد العقل الغربي الوضعي بدلًا منه.

الغزالي وتراجع العلوم الطبيعية

لؤي صافي يتجه إلى تأسيس مختلف عن كل هذا، بعيدًا عن الثناء والتوجس والندب، يضع يده على عمق التناقض الموجود في الخطاب التقليدي والذي يجعل من الامام الغزالي- مثلا- في كتابه 'المستصفى من علم الاصول 'يؤكد على أهمية العقل

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت