فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
واعتباره (الحاكم الذي لا يعزل ولا يبدل، شاهد الشرع المزكى المعدل) لكنه مع ذلك يقول لاحقا عندما يقسم العلوم، في نفس الكتاب (ومنها عقلي محض لا يحث الشرع عليه ولا يندب اليه كالحساب والهندسة والنجوم وأمثاله من العلوم فهي بين ظنون كاذبة لائقة وان بعض الظن اثم وبين علوم صادقة لا منفعة لها ونعوذ بالله من علم لا ينفع) - ص85 - وبين هذا وذاك يأتي نقض الضرورة السببية ونفي وجود خواص للمادة ـ على يد الغزالي ايضا - في خضم نزاعه مع الفلاسفة (تضييعا للعقل وتمييعا لثوابته وبالتالي تضييع للعلوم الطبيعية والاجتماعية فلا قوام لهذه العلوم بعد انكار ملازمة الاشياء لخواصها ولزوم الاسباب لمسبباتها ص 228) ، ويقدم رؤية نقدية قرآنية لما يقول الغزالي ص 226 - ص227، معتبرا أنه (سواء اعتبرنا الغزالي رائدا في رفض الضرورة السببية أو ناقلا لموقف المتكلمين في هذه المسألة، فقد ساهم هذا الموقف في تراجع العلوم الطبيعية عند المسلمين ص 220) .
ولكن لؤي صافي يمضي أعمق من الوقوف المجرد عند التشخيص، الى وضع أسس جديدة لنظرية جديدة في (عقل) يستمد منطلقاته وضوابطه ومحدداته من القرآن الكريم. إنه ينزع عن العقل مطلقاته الميتافيزيقية ومحدداته الوضعية ـ فالعقل (( ليس سوى نسق من المبادئ المنطقية-مثل مبدأ الاتساق والسببية- والعمليات الإجرائية -مثل التحليل والتركيب والتجريد والتجسيد، وهو لذلك يستمد مضامينه المعيارية ومحتواه المعرفي من خلال تمثله الثقافي والتربوي وخبرته المعرفية والميدانية(ص 96 ـ 97 ) ).. ولذلك فالعقل الذي يستند على معايير قرآنية، و (( يستند على التصور الكلي للقرآن ص 93 ) )في آلياته ونسقه سيتكامل مع الوحي ـ أو النقل ـ بدلًا من أسطورة التناقض المزعوم، وحتى (( سؤال أيهما يأتي اولا، العقل أم النقل؟ ) )سيكون سؤالًا افتراضيًا لا محل له من الاعراب، لأن العقل هنا سيتشكل حسب محددات الوحي وضوابطه، ولن يكون عقلًا افتراضيًا (قد تشكله، مثلًا، محددات الحداثة الغربية) لذا فإن إمكانية التعارض، أو أمر الأولوية برمته، غير وارد في هذه النظرية. طبعًا صنع العقل بمحددات الوحي، يضع لؤي صافي فورًا ونظريته، في مواجهة (النصوص) ـ وتعارضاتها وتناقضاتها المزعومة، ولؤي هنا واضح، فهو يعتمد على ما يسميه 'الرؤية القرآنية' (( التي تتحدد في القواعد العامة والمقاصد الكلية المستمدة من الكتاب، والمنتظمة وفق أنساق تحقق ترابطها الداخلي وترتبها ضمن هرم قيمي يميز أوليها من ثانويها ص 127 .. ) ).
ورؤية لؤي صافي القرآنية هذه لا تهدف أبدًا الى عزل السنة أو إقصائها، كما يستهدف أدعياء التجديد الديني ممن يسمون أنفسهم القرآنيين (الذين وفروا الكثير على منتقديهم عندما قاموا بتسمية مؤتمر لهم عقد مؤخرا في امريكا بمؤتمر الهراطقة المسلمين!!) ـ بل تهدف إلى تفعيل السنة عبر وضعها في موضعها الذي يجب أن تكون فيه (تبعًا للقرآن) .
القرآن أحوج الى السنة؟
يقول المؤلف: (( على الرغم من إصرار منهجيات الفقه الأصولية على إعطاء الكتاب اليد العليا(جعل السنة تبعًا له) ، إلا أن الممارسة العملية خلال القرون المتأخرة قد قلبت سلم الأولويات رأسًا على عقب، فجعلت الرأي السائد المقبول عند الجمهور حَكَمًا على اختيار نصوص السنة وتحديد دلالاتها والسنة المخيرة حَكَمًا على عملية اختيار نصوص الكتاب وتحديد حكمها، حتى إننا نجد من الفقهاء من يقول صراحة: (الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب، والسنة قاضية على الكتاب ص 127 ) )،
يوضح لؤي صافي، كيف تغيرت الآلية الفقهية من اعتبار السنة تبعًا للقرآن في عهد الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، وحتى عهد مالك بن أنس، إلى ان اعتبار السنة مثيلا للكتاب، معتبرًا (أن البدايات الأولى لهذه العملية كانت في الجهد الذي بذله الإمام الشافعي في التصدي لأصحاب الرأي الذين رفضوا تخصيص آيات الكتاب وتقييدها بأحاديث الآحاد ص 132 .. ) .
يعتبر الكاتب أن منهجية الشافعي استندت على أركان ثلاثة لا تزال قائمة في آليات التفكير واصول الفقه السائدة:
1 -التأكيد على أن الحديث المرفوع إلى رسول الله هو 'الحكمة' التي ذكرها القرآن الكريم.
2 -منع نسخ السنة بالقرآن.
(يُتْبَعُ)