ـ [أبو محمد التونسي] ــــــــ [11 - May-2008, مساء 09:41] ـ
خطرات بين الألم والأمل في حياتنا المعاصرة
لا يكاد يمر يوم من أيامنا هذه في أعوامنا هذه، دون أن يطرق السمع خبر يتفطر له القلب وتتقطع منه الحشى، أن قد احتُلت أرض وانتهُكت أعراض وسُلبت ثروات وقُتل نساء وأطفال تحت وابل الرصاص"الذي كان المقصود به غيرهم"، وكأن قتل غيرهم مستباح لا غضاضة فيه! في هذه البقاع أو تلك من بلاد المسلمين، والتي أصبحت أخبار الدنيا لا تحمل إلا أخبارهم دون سواهم. وحين تتزاحم الأحداث الأليمة على واقع الناس ذلك التزاحم الذي نعيشه في هذه المرحلة الحاضرة الحاسمة من تاريخنا، فإن الخواطر تتزاحم كذلك في عقل معايشها وتتسارع حتى لا يكاد يجد بدًا من اخراجها إلى النور تباعا سراعا قبل أن تجور عليها غيرها من الخواطر فتطرحها جانبا ثم لا يكون لها نصيب إلا في طي النسيان. وهذه الخواطر التي أسجلها في السطور التالية، هي ما جادت به القريحة، على جفافها وعجفها في الآونة الأخيرة من الزمن لما تمر به أمتنا من محن، بعد أن ازدحمت بها النفس واستعصت على السكون والكمون. وهي خواطر أحسب أنها مشتركة عامة بين من شغلته هموم الأمة وأدرك ما هي فيه من خطر ماحق.
حزبان لا ثالث لهما!
لعل أصدق ما خرج من حلق زعيم الهجمة الصليبية المعاصرة، أنّ من ليس معهم فهو عليهم، وبعبارة أخرى، من لم يقف في صفهم فهو من أعدائهم. وهى كلمة حق قيلت لتكريس باطل. فإن الزمان قد استدار كما بدأ يوم أن بعث الله سبحانه محمدًا، وأوحى اليه فيما أوحى أن الناس فريقان، فريق في الجنة وفريق في السعير، وأن الأحزاب حزبان، حزب الله"ألا إن حزب الله هم المفلحون" (المجادلة 22) ، وحزب الشيطان"ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون" (المجادلة 19) . فالحق أن زعيم الهجمة الصليبية لم يأت بجديد لم يدلنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أوحى به ربه سبحانه، وبما دلنا عليه في حياته وسيرته. فإن الناظر في سيرته، يجد أنه بعد أن استقر به المقام في المدينة، وأسس أول دولة للإسلام فيها فإن الناس في المدينة ومن حولها قد انقسموا غلى هذين الفريقين، ولا ثالث لهما، إما أهل إيمان واتباع، وهم المهاجرين والأنصار، وإما أهل كفر وضلال، وهم أصناف، منهم من جاهر بالعداء ككفار مكة، وكثير من الأعراب من حول المدينة، أو من يهود الذين كانوا يعايشون رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، ولم يخرجهم منها بادئ الأمر حتى استفحل شرهم وخانوا عهدهم ومالئوا المشركين على المسلمين، وما هذا عليهم بجديد، ومنهم من استخفى بالعداء وإن عرفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه آثر أن يبقي عليهم لمصلحة الدعوة و"حتى لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه". وهذا التمييز وهذا التعريف هو أمر فيه الخير كل الخير، فإن إزالة القناع عمّن يتقنع ليلبّس على المسلمين دينهم هو أمر في غاية الضرر عليهم، ومنهم من ليس له القدرة على صحة الحكم على الأشخاص أو الأحداث لضحالة علم أو لقلة فهم. والتمييز بين الحق والباطل ومعرفة الصحيح من الخبيث هو غرض من أغراض الشريعة قد نسيه أو تناساه الكثير من أتباع هذا الدين بل من دعاته ونصرائه، يقول الله تعالى"ما كان الله ليذرالمؤمنين على ما انتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب" (آل عمران 179) ، بل وكررنفس المعنى في سياق آخر في (الأنفال 37) ، كذلك قال تعالى:"ولتستبين سبيل المجرمين" (الأنعام 55) . فاستبانة طريق المجرمين، وتمييز الخبيث من الطيب هو من أغراض الشريعة القطعية التى تتبين لمن وهبه الله عقلا راجحًا ونظرًا في الشريعة فاحصًا يميز به ويستبين. فهذا الأمر إذن الذي دعا اليه زعيم الصليبية ليس أمرا سيئا بل هو أمر فيه خير لمن فهم عن الله سبحانه ووعى الدرس النبوي الشريف، وفهم مقاصد الشريعة، ثم تحلى بالإيمان ومْنح التوفيق والهداية، وقليل ما هم"لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم" (النور 11) ، وقال تعالى"وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم" (البقرة 216) . وأحسب أن الأمر لم يبلغ مداه والتمحيص والتمييز لم يصل إلى غايته بعد، فإن أعداء هذا الدين لن يرضوا من أتباعه إلا أن يَدَعوه جملة
(يُتْبَعُ)