ـ [عبدالله الشهري] ــــــــ [14 - Apr-2007, مساء 11:43] ـ
هنا مجموعة مقالات لم تنشرها صحيفة الوطن، وهي ردود على كتّاب في الصحيفة، نشر منها واحد ولكن مع"القص"و"اللزق"و"الحذف"، والله المستعان، وهم مع ذلك قد أزعجونا بقضية"الأحادية في الرأي"و"احتكار الحقيقة"و"كتم حرية التعبير"!!
لكني أنبه: نظرًا لاختلاف طبيعة الجمهور و أحوال المخاطبين، وهم عادة من العامة الذين لا حاجة لهم في التحقيق والتدقيق والتوثيق والتأصل كما لو كانوا طلبة علم أو علماء أو أهل رأي، لمّا كان الأمر كذلك قد يجد القاريء بعض الملحوظات حول الأسلوب الكتابي، والإملاء، والنحو، وما إلى ذلك مما لم أجد الوقت لمراجعته، وتارةً لطبيعة لغة الردود والمقالات الصُحُفية.
المقال الأول
القيمة الحقيقية لأي أمة من الأمم في مبادئها وممارستها الأخلاقية لا مخرجاتها المادية فقط.
قدر لي أن اطلع على ما كتبه الكاتب علي سعد الموسى في صحيفة الوطن، عدد 2207، بتاريخ 23 رمضان 1427 هـ، وكان عنوان مقاله (أمريكا: ساعة انبهار وأخرى للشتم) . وقد صدق في مواضع من مقاله وجانب الصواب في جوانب أخرى. وجانب الصواب هو حكايته لواقع التطور في الجانب العلمي والتقني المادي البحت. كذلك من جوانب الصواب قوله عن نفسه بأنه"مفتون بأمريكا أنا؟ نعم"، وهذا ليس بمستغرب أن يكون الكاتب من المصرحين بأنه أحد المفتونين بأمريكا. وقد أوصانا الكاتب - وفقه الله - عقب ذلك فقال"احفظوا هذا الاعتراف الشخصي فقد تحتاجونه لمحاكمتي واتهامي به حين تأخذونه في المستقبل جملة مبتورة من السياق". وأنا بدوري أقول اطمئن فحتى لو لم نحفظ هذا القول فإنك لست بحاجة للمحاكمة لأنك لم تأت بجريمة حيث أن افتتان شريحة كبيرة بأمريكا أضحى ميزة يتقلد أصحابها أوسمة الاحترام والتقدير لمجرد أنهم مفتونون بأمريكا. إن المضطهد في حقيقة الأمر هم غير المفتونين بأمريكا، وهم الذين يتعرضون للمحاكمة كل يوم فقط لأنهم لم يوجد عندهم الافتتان الذي يشفع لهم عند أمريكا. إن القيمة الحقيقية لأمريكا وغيرها من سائر الأمم والطوائف والبشر هي في الجانب الإنساني، جانب الكرامة التي كرم الله بها بني آدم، وأما الجانب الصناعي المادي فيأتي في الدرجة الثانية، بل هو في الحقيقة وسيلة لتحقيق القيم التي يؤمن بها الإنسان، فالقيمة هي الغاية، فكيف نبجل ونحترم الوسيلة قبل النظر في حقيقة الغاية. وعلى هذا فما فائدة الافتتان بالمعامل والمختبرات التي تطور تقنية الدمار للعالم عامة والمسلمين خاصة؟ ما قيمة التطور التقني إذا صارت وسيلة لقتل الأبرياء وسحق مقدرات الأمم واستنزاف خيرات الشعوب بغير وجه حق؟ ولا زالت كثير من الأوساط تتذكر كلمة اينشتاين - عالم الفيزياء الألماني - عندما بلغه أن أمريكا أسقطت القنبلة الذرية على هيروشيما حيث قال متحسرًا (لو كنت أعلم أن هذا سيحصل لتمنيت أني كنت صانع أحذية!) انظر كيف تمنى هذا العالم الكبير التنازل عن كل مقامات العلم والمعرفة ليكون صانع أحذية لما علم أن التقنية والعلم يوظفان لهدر كرامة الإنسان. ومع ذلك تقول يا أخ علي - هداك الله - (لأمريكا عشرات الأوجه الجميلة الفاتنة ولكن من سوء حظها وحظنا معها أن وجهها السياسي القبيح يطغى على كل مفتن مبهر في وجه هذه الحسناء) أ. هـ. وأنا أقول: هذه هي المشكلة الكبرى عند كثير من المفتونين بهذه"الحسناء"التي ظاهرها حسن جميل وباطنها قبيح. وقد قال الله لنبيه لما كاد أن يقع في مثل هذه الفتنة وهذا الوهم (ولا تعجبك أموالهم ولا أولادهم) . فالمال في هذه الآية يدخل فيه كل الممتلكات المادية سواء عينية أو نقدية، سواء كانت بارعة أم عادية، لأن الغاية في نهاية المطاف ليس ما سبق وإنما القيم والمبادئ التي تهيمن على ما سبق وتسخره. نعم، مهما كانت الأوجه الجميلة كثيرة ومتعددة فإنها تصبح قبيحة بمجرد إزهاق نفس واحدة بريئة ظلمًا وطغيانًا لأن حياة الإنسان وكرامة الإنسان أهم وأثمن من المختبر الأمريكي والمصنع الأمريكي والعقل المادي الأمريكي، فما بالك بأنفس أمم كاملة بريئة تحت وطأة التكنولوجيا الأمريكية؟ هذا من ناحية السياسة - وهي التي اقتصرت عليها أخي علي - مع أن هناك جانب الأخلاق وجانب الآداب وأمريكا قد ضربت في الجملة أسوأ الأمثلة في هذا الجانب فالجرائم والتحرش وتجارة العهر والفساد على المستوى الاجتماعي والاقتصادي قد وصلت إلى أرقام مذهلة. وتصوريك في نهاية المقال بأننا في مقام من لا يستطيع الاستغناء عن معطيات الحضارة الأمريكية لساعة واحدة، أقول تصويرك هذا يعد هضمًا واختزالًا كبيرين، لقد صورتنا وكأننا طفيليات لا تعيش بدون أمريكا. وقد قال الله للرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته (وإن خفتم عيلة فسيغنيكم الله من فضله) لما خافوا أن تمنع عنهم قريش المدد المادي والتجارة و البضائع بسبب ما كان بينهم من الهجرة والعداوة. ومع ذلك أقول نحن في الحقيقة نستطيع الاستغناء عن أمريكا على الدوام ولكن بالجد والاجتهاد والاعتماد على النفس وبناء الوطن بأيدي مؤهلة وعقول متعلمة واعدة و طموحة، والصين مثال ليس ببعيد. ولو أخذ شباب الوطن بكلامك لاستسلم وخنع لأمريكا وترك الجد والعلم والعمل وآثر الإتكالية الدائمة عليها لأنها - كما قلت أنت - داخلة في (كل تفاصيل حياتنا) ، وهذا إجحاف كبير، فعلى زعمك: ماذا بقي لديننا وتقاليدنا الخاصة بنا وعقول أمتنا إذا كانت أمريكا في كل تفاصيل حياتنا؟ لذلك أختم مقالي بنصيحة أوجهها إليك وإلى كل مفتون فأقول: لا بأس عليك أن تفتتن بالتقنية الأمريكية و الجهاز الأمريكي والمختبر الأمريكي والمصنع الأمريكي ولكن احذر أن تجرك نفسك إلى الافتتان بما وراء ذلك. قال الله تعالى (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون) .
وقد نشُر المقال أعلاه، مع بعض الحذف والتبديل في الصحيفة المذكورة على الرابط التالي:
(يُتْبَعُ)