فهرس الكتاب

الصفحة 12189 من 28557

ـ [رجل من المسلمين] ــــــــ [05 - Nov-2008, مساء 08:04] ـ

حامد بن عبدالله العلي

هاهي الأمّة الأمريكيّة قد طلبت التغيير وحصلت عليه، بعد أن رأت بأم عينيها ما فعلته زمرة من المتسلّطين الذين قادهم التعصب الأعمى، والغطرسة، والجهل، والحماقة، إلى تحويل كِّل شيء كان تحت أيديهم إلى حطام، فالإقتصاد الأمريكي محطَّم بل العقيدة الليبرالية قد أضحت بسببهم مصلوبة على بوابة التاريخ، وسمعة القيم الأمريكية ملطَّخة، والسياسة الخارجية فاشلة، وأما قيادة أمريكا للعالم فقد تم إعلان نعيها رسميَّا.

لقد قادت عصبة اليمين المتصهين، وهم من حثالة المحافظين الجدد، قادت الأمة الأمريكية إلى الخزي والعار، وأضحت فترة رئاستهم هي أحلك الفترات في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.

وإن كان لديهم حسنة واحدة فهي أنهّم أثبوا أنَّ الوسائل المادية التي تملكها الأمم مهما كانت متطورة، وقوية، فإنها تتحول إلى نقمة إذا كانت بيد أهل الظلم، وعمى البصيرة، ولاينفعهم حينئذ ذكاؤهم، ولا خبرة المستشارين، ولاحنكة الخبراء.

ومن عجائب تصريف الله الأمور، وضربه الأمثلة للناس، أن هذه الزمرة المتغطرسة أرادوا أن يستعبدوا العالم، فسلَّط الله عليهم من يحتقرونه أشد الاحتقار بسبب لونه الذي يقرنونه بالرقِّ، ويربطونه بأصله الإفريقي، وجعلهم جميعا تحت أمره وسلطانه!

كما أنهم أرادوا سرقة العالم فإنهار اقتصادهم، وأرادوا إرهاب العالم، فزاد خوفهم، وابتغوا هزيمة أمتنا، فبعثوا فيها عزيمة النصر،وروح النهضة.

غير أنَّه يبقى من الحقِّ علينا أن نعترف بحيوية هذه الأمة التي استطاعت أن تنتفض وتغير واقعها المرير، وتطلب التغيير، رافضةً أن تبقى سائرة وراء من حاول تضليلها، كما تسير الخراف وراء جازرها.

وعلينا أن نتأمل كيف أنَّ هذا الرجل أوباما لم يمنعه أصله، ولا نسبه، ولا لونه، أن يصل إلى حيث يستطيع أن يقنع أمته بقدرته على التغيير، ثم لم تؤثِّر جيناته على قناعة الأمريكين به، فانتخبوه، وقد علموا أنَّ من أعظم ضروريات النهضة، ولوازم التغير الناجح التخلص من شوائب العنصرية، ورواسب الطبقية البغيضة.

كما في ثقافتنا الراقية التي أنارت العالم: (ولو وُليَّ عليكم عبدٌ حبشيٌ)

ويبقى من الواجب على أمتنا أن تستفيد من هذا المثال، وتطلب هي أيضا التغيير، لتتخلَّص من كلِّ نظام يقودها بالجهل، والاستبداد، فيسرق البلاد، ويستعبد العباد، ويسوقها إلى الدمار، وينزل بها العار والشنار.

والعجب والله كل العجب أن تشهد الشعوب عندنا، كلَّ هذه الأمثلة الحيَّة حولها، وتشهد كيف تثور شعوب العالم على إنحراف السلطة، وتسعى نحو التغيير للأفضل حتى تحصل عليه، بينما شعوبنا تبقى واجمة، فاغرة فاها، عاجزة عن تغيير حالها التعيس!!

وقد ذكرنا سابقا مرارا أن وراء ذلك من الأٍسباب، فساد بنية النظام السياسي، والدور الخبيث لعلماء السوء، وخيانة المثقفين، وجهل الشعوب.

نقول هذا معترفين بإنجاز الأمة الأمريكية في صناعة هذا التغيير، مع يقيننا أننا ـ بالنسبة لأمتنا ـ لاننتظر كثيرًا منه، سوى خلاص العالم من تلك العصبة المارقة التي تربعَّت على عرش البيت الأبيض، وملكت أعتى قوة عسكرية في التاريخ، فملأت الأرض جورا وظلما.

لقد انتهى بوش وعصابته، وذهبت معهم قلوبهم المليئة بالكراهية، ونفوسهم المريضة بالعنصرية، وبرامجهم التي كانت تفوح منها رائحة الكبر والغطرسة، ونسأل الله أن تذهب معهم وسائلهم البوليسية، وسياستهم الخرقاء، ونشرهم الأحقاد في العالم.

ذهبوا ولم يستطيعوا ـ بحمد الله ـ أن يهزموا هذه الأمة، ولا أن يحقِّقوا شيئا مما منَّاهم به الشيطان، بل سقطوا سقوطا مريعا، لم يجنوا منه سوى الخراب، والهلاك.

وسوف ينشغل الإعلام الأمريكي فيما يأتي، ومعه المراقبون، والمحللون، بكشف المزيد من فضائح تلك العصابة التي لم تنشر بعد، وسوف تظهر مخازيهم على الملأ، ولا يستبعد أن تلاحقهم الدعاوى القضائية إلى أجلٍ غير مسمى.

هذا ومن المتوقع أن يشهد المستقبل مزيدا من الإنفراج النسبي المحدود في بعض القضايا المتعلقة بأمّتنا، وأمّا على المدى البعيد فليس أمامنا سوى مشهد عالم متعدد الأقطاب، سوف يأذن ـ بإذن الله تعالى ـ بمزيد من الخطوات المباركة لنهضة أمّتنا المجيدة.

ولكننا مهما خطونا من تلك الخطوات، لن نصل إلى التغيير المنشود إلاَّ بنشر الوعي في أمتنا بحقوقها، وعلى رأسها الحقوق السياسة، وعلى رأسها حقها في تغيير النظام إذا عبث برسالة الامة، وقيم ثقافتها، ومكانة مقدساتها.

ثم منح أمِّتنا القدرة على استعمال تلك الحقوق، بإصرار النبلاء، وحكمة العقلاء، حتى تستعيد أمُّتنا مكانتها التي فقدتها بسبب فساد الأنظمة السياسية المتسلطة عليها.

والله نسأل أن يأتي اليوم الذي تقر أعيننا بذلك، وهو سبحانه حسبنا عليه توكلنا وعليه فليتوكل المتوكللون

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت