فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [د محمد السعيدي] ــــــــ [16 - May-2008, صباحًا 11:32] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
ربما كان من المعالم الفكرية لبداية القرن الرابع عشر الهجري العشرين للميلاد: ظهور التفكير بعصرنة الدين , أي: تكييف تعاليمه لتكون متوافقة مع مستجدات العصر الثقافية والتقنية والأخلاقية والاقتصادية والسياسية , وسلك المفكرون على هذا النحو مسالك شتى في التعبير عن رؤاهم , وما زالت دعواتهم على اختلافها موجودة حتى يومنا هذا , لكنها لم تأخذ حيزا من التقدير العلمي والمجتمعي يتناسب مع تاريخها وما تهيأ لها من وسائل الانتشار , وهذا من فضل الله ومنته.
وتأصل هذه الدعوات لنفسها بالاستدلال بسمات وخصائص لهذا الدين لا يناقش في صحتها عالم أو عامي , ككون الإسلام صالح لكل زمان ومكان , وأنه لا يتعارض مع العقل , وأن أحكام هذا الدين معللة بالحكم والمقاصد , لكنهم ينزلون هذه المحاسن الإجمالية للشريعة الإسلامية منزلة النصوص التفصيلية , ويدخلون مع النصوص فيما سماه الدكتور عبد العزيز قاسم: نفق التأويل الذي لا نهاية له.
والذي استجد في أيامنا هذه عن بدايات القرن الماضي: أن مصطلح عصرنة الدين أصبح لكثرة تكراره , وقلة تحريره مصطلحا سائغا سائرا على ألسنة كثير من الدعاة والمفكرين والكتاب , وإن كان ألسواد الغالب منهم يستنكر ما يستبطنه هذا المصطلح من شرور ومفاسد , فيحملهم الغضب لنصوص الشريعة التي تنتهك تحت بطانة هذا المصطلح على مطالبة العلماء والمتخصصين بتحديد ضوابط عصرنة الدين , وهو ما فعله مأجورا إن شاء الله أخونا الدكتور عبد العزيز قاسم في أحد مقالاته القيمة في ملحق الدين والحياة بصحيفة عكاظ.
وقبل البحث عن هذه الضوابط يجب علينا أن نسأل: هل نحن حقا مطالبون بعصرنة الدين؟ أم أن مهمتنا كعباد لله تعالى , هي تديين العصر أي جعله متوافقا مع الدين؟.
قد يقال: وما عسى يكون الفرق إذا كانت النتيجة واحدة وهي أن لا نجد تناقضا بين العصر ومعطياته والدين وتعاليمه؟
والجواب: أن النتيجة ليست واحدة ولا متقاربة , بل نتيجتان متباينتان أشد ما يكون التباين , فعند عصرنة الدين نجعل العصر أصلا نكيف الدين على وفقه , الأمر الذي يقدح في كمال الدين ومصادر تلقيه , ويجعل معطيات العصر مصدرا من مصادر التشريع.
وحين نقول بتديين العصر فنحن نجعل الدين مقياسا أصيلا لخطئنا وصوابنا , فما وافق الدين فهو الصواب وما خالفه فهو الخطأ , ونحفظ بذلك مصادر تلقي الشريعة من أن تنتهك حرمتها ويعبث بها المتأولون الذين يضيقون ذرعا برد متشابهها على محكماتها , ويأبون إلا أن تكون المتشابهات دليلا لهم على عدم جدوى اتخاذ النصوص الشرعية سندا أصيلا.
لا يقال إن الفقهاء اتخذوا العرف دليلا والعادة محكمة , وقالوا بتغير الفتوى بتغير الأمكنة والأزمان , وكل هذا دليل على جواز عصرنة الدين وأنها لا تنافي بينها وبين تقدير النصوص واحترامها.
لا يقال ذلك: لأن العرف لا يستدل به إلا إذا كان عرفا محكوما عليه بالإباحة بمقتضى البراءة لأصلية أو بنص خاص من الكتاب أو السنة , وحين يحكم بإباحته فلا يستخرج منه على الوقائع حكم من الأحكام الخمسة المعروفة ' بل يستخرج من العرف تقدير ما حكمت
النصوص بإباحته أو استحبابه أو وجوبه أو كراهته أو تحريمه , كما حكم الشرع بلزوم النفقة على الوالد , وجعل تقدير المطلوب إنفاقه موكولا للعرف كما قال تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} الطلاق7وأباح لمتولي مال اليتيم أن يأكل منه وترك تقدير مايحل له للعرف كما قال سبحانه: {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيبًا} النساء6.
(يُتْبَعُ)