فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [العوضي] ــــــــ [25 - Jul-2010, مساء 12:35] ـ
د. مهدي ساتي - جامعة إفريقيا العالمية
تهدف هذه الورقة إلي القاء بعض الضوء علي مسيرة التيار السلفي في بلاد السودان من حيث النشأة والتطور، ولما كانت التيارات الفكرية لا تنشأ من فراغ، رأينا ضرورة تلمس البدايات الأولي لنشأت هذا التيار منذ بواكيره الأولي في تاريخ الفكر الإسلامي عالميا ثم تصويب النظر في نشأته قاريا وإقليما في إفريقيا وصولا إلي دراسة تاريخ هذا الفكر في السودان موضوع الدراسة.
تعريفات
ولعله من المفيد بدءا أن نعرف لهذا التيار لغة واصطلاحا فلغة جاء لفظ (السلف) بمعني (الماضي) أو ما ممضي كما في قوله تعالي (عفا الله عما سلف) ( [1] ) . وقوله تعالي (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) ( [2] ) . وكذلك (هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت) ( [3] ) . ومثل ذلك في الحديث الشريف، أما في معاجم اللغة العربية كما في لسان العرب لابن منظور فالسالف تعني المتقدم ومنه أسلاف الرجل، وفي الصحاح للجوهري فاسلاف الرجل هم آباؤه المتقدمون ( [4] ) .
أما إصطلاحا فالسلفية تعني في مفهوم معتنقيها الرجوع إلي ما كان عليه المتقدمون من الصحابة الكرام والتابعين في التمسك بالكتاب والسنة، بينما هي في مفهوم جمهور الدارسين للفكر الإسلامي في تعريفهم (السلفي) بأنه (من يرجع في الأحكام الشرعية إلي الكتاب والسنة ويهدر ما سواها) ( [5] ) .
والإشارة إلي (الاهدار) في العبارة السابقة تعني فيما تعني، عدم الميل إلي الاجتهاد، الأمر الذي يعرف لهذا التيار بصورة تفيد (الجمود) كما في مفهوم معارضيهم، ويفتقر هذا المفهوم إلي كثير من الموضوعية
فقد شهد تاريخ السلفية تيارات تجديدية داخلية كتلك التي قادها شيخ الإسلام بن تيمية وتلميذه ابن القيم. من جانب آخر أشار بعض الدارسين المحدثين كتلك إلي أن المصطلح وعلي مايحتويه من دلالات تشير إلي ضرورة الرجوع إلي حياة السلف الصالح وعصور التنزيل الاولي، يظل مشوبا بشيء من الضبابية في الدلالة والفهم من حيث الشكل والمضمون، فالرجوع إلي الكتاب والسنة أمر تجمع عليه معظم الفرق الإسلامية، فالرجوع إلي الكتاب والسنة أمر تجمع عليه معظم الفرق الإسلامية أو تدعيه، فالتأسي بالماضي الذي شهد ميلاد التنزيل في زمان الرسول صلي الله عليه وسلم والصحابة الكرام ثم التابعين، يعد مما هو، مطلوب معلوم، بالضرورة، أما من حيث المضمون فثمة غموض قد يتأتي علي مستوي النظر العملي لهذا المفهوم كما في إشارة محمد عمارة حيث كتب يقول (ولكن هذا التحديد الجلي(للسلفية) لا يتسطيع وحده رفع الغموض عن مضمون مصطلح السلفية، لأن (الماضي) المحتذي سيظل غير محدد لأنه متعدد هو الآخر، فهل هو الكتاب والسنة أم أن فيه المأثورات المروية عن الصحابة.؟ هل هو تلك النصوص وحدها؟ أم أن فيه مذاهب التابعين وتابعي التابعين، وحتي إذا كان هذا السلف هو النصوص قرآنا وسنة فإن تفسيرها ورؤيتها قد تعددت بتعدد المناهج في المدارس الفكرية والفرق والتيارات ( [6] ) .
لمحة تاريخية
لقد مرّ الفكر الإسلامي في تاريخه الطويل بمراحل متعددة ارتبطت بالتحولات الإجتماعية والسياسية التي عاشتها ديار الإسلام بعد اتساع رقعتها في زمان الأمويين خاصة، فوجدت بعض أفكار البلاد المفتوحة من زندقة وتفلسف طريقها إلي مجتمعات المسلمين، الأمر الذي دفع البعض للدفاع عن العقيدة الإسلامية بذات الوسائل الفلسفية الفكرية التي ظل يستخدمها المناطقة فنشأ بذلك تيار (الاعتزال) واسس (المعتزلة) (علم الكلام) وحملوا لواءه لحوالي قرن ونصف من الزمان، ثم مالبثوا أن وجدوا أنفسهم في خلاف مع المحدثين والفقهاء من أهل السنة والجماعة وأخيرا شهد العصر العباسي تبلورا ملحوظا لتيار السلفية التي عدها بعض الدارسين ظاهرة عباسية حيث اشتد الخلاف بين المعتزلة والسلفية الذين مثلهم يومذاك الأمام أحمد بن حنبل (ت 241 هـ) رضي الله عنه، وتحمل بصورة مباشرة ويلات الخلاف مع المعتزلة أبان المحنة وخرج منها منتصرا، وكما يقول ولتر باتون (باءت سياسة المعتزلة أبان المحنة بالخيبة والخذلان وانتصرت عليها عاطفة التدين الشعبي التي آثرت الاعتصام بالسنن والآثار والابتعاد عن تشقيقات المتكلمين ودعواهم في
(يُتْبَعُ)