فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [زكي التلمساني] ــــــــ [11 - Apr-2008, مساء 12:54] ـ
زكي بن محمد المصمودي التلمساني
الحمدُ لله الذي أذهب عنَّا الحَزَن، إن ربَّنا لغفورٌ شَكُور، و الصَّلاةُ والسَّلامُ على من علَّمَنا الصَّبرَ أيَّامَ المِحَن، إنَّ رسولنا بالمؤمنين لرؤوفٌ رحيم.
ما أجْمَلَ أن يعيشَ المرءُ في دُنياه برسالةٍ يحمِلها إلى إلاهِه و مولاه، عنوانُها العبوديَّة فلا يعبُدُ ربَّا سِواه .. و من أراد عُلُوَّ بُنيانِه فعليه بتوثيق أساسِه و إِحكامِه و شدّة الإعتناء به، فإنَّ عُلوَّ البُنيانِ على قَدْرِ توثيقِ الأساسِ و إِحكامِهِ (1) ، و مِن هنا كانَ أوْلَى ما يَجبُ علينا أن نهتَّمَ به عِلما ودعوةً و إصلاحا العقيدةُ، و كلُّ دعوة تقومُ على دَعْوَى الإصلاحِ و لا تُركِّزُ عليها يُخشى عليها أن لاَ تنبُتَ، و إنْ نَبَتَت فلا تَثبُت، كالذينَ اشتغَلوا بِزراعةِ المنازلِ و الحدائق و تركوا القُلوبِ جرداءَ مِن عقيدةٍ سليمةٍ أو عُبوديَّةٍ مستقيمةٍ، أو كالذينَ أفْنَوا أعمارَهم في تَقويم السُلوكِ مِن غيرِ أبوابِ العقيدةِ، أو الذين راموا صناعةَ المثاليةِ بأوهامِهِم البالية و تخرصاتِهم الواهيةِ، مُستورِدين نظرياتٍ عليها توقيعُ العِلمانيةِ، مِن حيثُ شعروا أم لم يشعروا ..
و لِمنزِلةِ العقيدةِ في الأُمَّة إذْ هي منها بِمنزِلةِ الرُوح، صُوِّبَت و تُصَوَّبُ لها سِهامٌ لا تُخطِئُ و رِماحٌ لا تَحِيدُ، تَبغي إصابةَ مَقَاتِلِها و هَدَّ أركانِها و هزَّ أُسُسِها- لكنَّ اللهَ خيرٌ حافظا-. وَ قدْ أدركَ أَعاديها هذِه الحقيقة المُرَّة عِندَهُم مَرارةَ الحَنظَلِ، و علِمُوا أنَّ الوَجَلَ كُلَّ الوَجَل مِن ذلك الرَجُل، أعني رَجُلَ العَقيدَةِ الذي يَدُكُّ حُصُونَهُم بِحِدَّتِهِ و يكسِرُ شوكتَهُم بِصلابَتِهِ، فما أُغمِضَ لَهُم جَفنٌ حتَّى سَعَوْا مِن الخارِجِ بِحملاتٍ تغريبٍيّة تُريدُ تَذويبَها أو مَسخها، حتَّى إنَّكَ تَرى الفتى قائما بينَ يديْكَ فَتَخَالُهُ كُلَّ شيء إلاَّ أنْ يكونَ يحملُ بين جَنبَيْهِ هَمَّ دينهِ و وطنهِ و عشيرتِه، و مِن الداخلِ بِحملاتٍ تَمييعيَّة تُهوِّنُ مِن شأنِها، و تُؤيِّدُها هَجَماتٌ أُخرى حانقةٌ لا تكادٌ تُؤمنُ إلاَّ بالإستِئصالِية، بالزجِّ في السُجون و النفيِ عن الدِيار أو حتَّى قَطْعِ الرِقابِ.
زِدْ على ذلك ما يراه العُقُلاءُ من هَشاشَةِ الصُفوفِ الداخليَّة و رَخَاوَتِهَا في ظِلِّ تَذَبْذُبِ التَصوراتِ و تَعدُّدِ الولاءات، أو إِختزالِ الوِحدةِ في صُورةٍ مظهريةٍ جوفاء كَنِتاجٍ لِتربِيةٍ حماسيةٍ تكثيفيّةٍ ترقيعيّة، مع تَشعبِ الطَوايا في زَمَن تَعاقُبِ الرزايا.
فمَا أحوجَنَا اليَومَ إلَى اِنتفاضةٍ في العقيدةِ تكونُ البداءةُ فيها بالنفسِ أوّلا ثمّ تتعدَى لتَشمَلَ و تعُمَّ، و إلاَّ سَيضِيعُ هذَا المدُّ الهَادرُ من الشبابِ الذي يَرنو بِبصرهِ و يَهفو بِبصيرتِهِ إلَى عِزٍ مَكينٍ و نَصرٍ مَتينٍ .. فوَاجِبُنا أنْ نُثيرَ هِمما راكِدةً و نُوقظَ أحلاما راقدةً حتَّى نَدفعَ النِقم و تبرأَ الذِمَم، قائلين فلْيكُنْ ما يكُنْ، فإنَّ صاحِبَ العَقيدةِ سينتفِضُ و لو فيِ سَمِّ الخِياط أو على مثلِ حدِّ الصِراطِ ... فإذَنْ هِيَ انتفاضَةُ العقيدة.
انتفاضةُ العقيدة ليْست بِدْعًا مِن سُنَنِ الرُسلِ، فما مِنْ رسولٍ أَتَى قَومَهُ بالبيناتِ إلاَّ وقامَ بانتفاضَةِ العقيدَةِ سَخَطا على ما هُم فِيهِ، فإبراهِيمُ يقولُ: ٍ {أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} 67: الأنبياء.
فرجُلُ العقيدةِ يتأفَّفُ و يستنكِرُ إنْ كانَ الخَلَلُ يَمَسُّ العقيدة، و لن يبقى أسيرَ صَمتِهِ مهما طالَ بهِ الزَمَنُ أو قَصُر، فهذا مُؤمِنُ فرعون يَرى من الحَيْفِ و الظُلمِ لدعوةِ مُوسى حتَّى يَبلُغُ به السيلُ الزُبَّى فينتفِضُ انتفاضةً في قصرِ أعْتَى القومِ يُخاطِبُهُم بيا قومِ و يا قوم: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ... } غافر: {28} .
(يُتْبَعُ)