فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
و سحرةُ فرعونَ رأوا البَيِّنات فآمنوا و اهتدَوا، فثارت ثائرتُهُ مُهدِّدا إيَّاهُم بالصَلبِ و التعذيب .. لكنْ هيهات هيهات أن يتزعزعَ رجلُ العقيدةِ، فَلَقلعُ الجَبل أهونُ من زعزعتِه .. فمهما سيسعَى الإستئصاليونَ عبرَ الأزمِنةِ مُتَّبعين سُنَّة فرعون فإنَّهم لا طاقةَ لهم بنزعِ عقيدةٍ ضاربةٍ جذورها في أعماقِ قلوبِ الرجالِ، و لنْ يسمعُوا إلا ما سَمِعَهُ إمامُهم من قبل: {قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} 72:طه.
ولنْ يكونَ التنكيلُ آخرَ محاولاتهم لكسرِ شوكةِ العقيدةِ، فإنَّهُم يُحاوِلُونَ من قبلُ إنزالَها إلى سوقِ المساومات .. يأتي المشركونَ من قُريش و يعرِضوا على النبيِ صلى الله عليه و سلّم أن يعبدَ آلهتهم و يعبدوا إلاهه بالتناوبِ و التداولِ، فيهبطُ الوحيُ من السماءِ بانتفاضةِ العقيدة: {قلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ 1} لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ {2} وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ {3} وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ {4} وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ {5} لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ {6} سورة الكافرون، وكان النبي صلى الله عليه و سلم يفتتح يومه بهذه الانتفاضة.
فلا لسياسةِ إمساكِ العصا مِن نِصفِها في العقيدة، و لا تقريبَ و لا ترقيعَ، إنَّما هُو اختلافٌ لا تناظُرَ فيهِ، و انفِصالٌ لا اتِّصالَ فيه، و تَمَيُّزٌ لا اشتِباه معه:
نُرقِّعُ دنيانا بتمزيقِ ديننا فلا ديننا يبقى و لا ما نرقع
فلا للمقاربَةِ بينَ الأديانِ ما دُمنَا نقرأ في كتابنا: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ... } آل عمران85 و لا حوارَ معَهُم إلاَّ بـ: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ ... } آل عمران:64.
وَمِنْ جِنسِ المُساومَاتِ، الإِغراءُ بالجاهِ و المال و السُّلطان .. جاءَ إلىَ كعب بن مالك رضي الله عنه أيَّام مِحنتِه كتابٌ من ملك غسّان يدعوه للحاقِ بهِ لمواساته، إلاَّ أنَّه رضي الله عنه انتفضت عقيدَتُهُ و عَمَدَ إلى الرسالة فسَجَرَ بها التنور، هذا معَ قُوَّة الداعي من هجرِ القريبِ الحبيبِ و إغراء البعيدِ المُواسي.
فأينَ أولئكَ الذين باعوا دينهم و عقيدتهم بأثمانٍ بخسةٍ و كانوا فيها من الزَّاهدينَ؟!
و أينَ هُم سماسرة الكراسي الذين أعماهم حُبُّها حتَّى وضعوا عقيدتهم على طاولة المفاوضات؟!
و أينَ أولئكَ الشباب الذي ركبوا بِحارَ الأهوالِ و ضربوا أكبادَ الإِبلِ إلى الغربِ طمعًا في مَدَنِيَّتِه المَهِينَةِ و حضارتِهِ المَشِينَة، فربِحُوا دُرَيْهِماتٍ معدوداتٍ و خسروا عقيدةً لا يُفلِحُ عبدٌ لا يأتي بها يومَ القِيامَةِ؟!
و إن امرءا ابتاع دنيا بدينه لمنقلب منها بصفقة خاسر
و الإمامُ أحمد يُجلدُ و يُعذَّبُ فقط ليقولَ بخلق القرءان و أن يسكتَ عن مُخالفيه، فما نالوا مُرادَهُم من رجل انتفضت عقيدتَه و عادوا بِخُفَّيْ حُنين، فأَحَقَّ الله بِه الحقَ و أبطلَ به الباطل.
قلتُ: فلتُكسر أقلامٌ و لتُلجم ألسنةٌ تُنادي على أهل العلم القائمين بالعقيدة بصرخات صمَّاء:"اعتقد و لا تنتقد"
فهل سكت المبطلون ليسكتوا هم؟!
و هل كفوا عن مهاجمة الإعتقاد على مرأى و مسمع منهم ليسكت أهل الحق؟!
و لِمَ الكيل بمكيالين؟! ..
ثمَّ نأتي لنَضربَ آفاقَ المُستقبلِ الغَيبِي، إلىَ أحلكِ فتنةٍ لَم يُعرفْ لها قِبَلٌ قطُّ، عرفناها بالنقلِ الصحيحِ لا مِن مركزِ الدراساتِ المستقبليّة، هيَ فتنةُ المَسيحِ الدجَّال .. يأتي إلى المدينة بعدَ أن عاثَ في الأرضِ فسادا و إفسادا، فيتلقاهُ رجلٌ هوَ أقوى أهلِ الأرض إيمانا، فيقول له المسيح الدجال: أنا ربك، فتنتفض عقيدة الرجل مدوية صارخة في وجهه: ربي ليس بأعور.
(يُتْبَعُ)