فهرس الكتاب

الصفحة 6912 من 28557

و لا تَحسِبنَّ أنَّ انتفاضةَ العقيدة مَخصُوصةٌ على بني البشرِ، بل حتَّى الهوام و الطير .. ذاك الهدهد يرى في سبأ قوما يسجدون للشمس، فتنتفضُ عقيدتُه و يهبُّ إلى سليمان بالنبأ: {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} النمل25.

ثمَّ لا تعجبْ إنْ نطقَ الشجرُ و الحجرُ انتفاضةً و نُصرةً للعقيدة:"لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر و الشجر فيقول الحجر و الشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي ورائي تعالَ، فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود" (2)

لا نريدُ بانتفاضةِ العقيدةِ القيامَ بمنهجٍ ثوريٍ أعمى، إنَّما هيَ انتفاضةٌ قائمةٌ على الهُدى و البصيرةِ، يتولاها سُقاةُ المَغارِس و سَاقَةُ الأُمم، أهلُ العلمِ الراسخون في ميراث النبوة، ماسكو الأزِمَّة و ناحِرو الأَزْمَة، فيصحِّحوا مفاهيما إجتالها غَبَشٌ و يظبطوا تصورات طالها دَخَن، ثم يَسكُبوا عُصارتَهُم في قوالبَ من فولاذ، ليطرحوا لهاتِه الأمَّة رجالًا أصلبَ في دينِهِم منَ الحديدِ، و لو جيءَ بأحدِهِم و شُقَّ بمنشارِ لا يردُّهُ ذلكَ عن دينِهِ، و ما ضُرُّ الحديدِ في حديدٍ مثلهِ أو أصلبَ منهُ؟! نريدُ بانتفاضةِ العقيدةِ أن نُعيدَ عجلةَ الأمرِ بالمعروفِ و النهيِ عن المنكرِ إلى مَدارِها، فنُحيي سُنَنَ الجهاد بمراتِبِه و ألوانِه حسب طول اليدِ و قُدرتها، و لنبعثَ حنينًا إلى عدلٍ كِدنا أنْ ننساهُ، فحدِّثونا عنه .. ورحمةً بإنسانيةٍ كِدنا ما نعرِفُها، فصِفُوها لنا .. و لنَنعمَ بعيْشٍ تحت مِظلَّة العبودية لله وحده، فوا لهَفَنا إلى ظِلِّها!

و حتَّى تصدُقَ الدعاوى و تثبُتَ الأجور على البلاوى نَصَبَ اللهُ ميزانينِ يُعرف بهما صحة و صدق انتفاضة العقيدة، أمَّا الصحة فتُعرفُ بالعلم و أعلى مراتبه اليقين، و أما الصدق فتولاه الله بما ينزله من الإبتلاء، إذ لا معنى لابتلاءٍ بعقيدةٍ مخالفةٍ لما نطقت به الرسل و لا قيمةَ لعقيدة صحيحة دون ثبات و تضحية .. فإنْ نحنُ اجتزنا الموازينَ قِسطا سُدْنَا الأممَ بَسْطا، و من شاء فليقرأ: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} السجدة:24.

و ليُعلَم أنَّها تربيةٌ طويلةٌ مستمرةٌ، و لْنحذَر أن نستعجِلَ ثِمارَهَا أو أنْ نستطيلَ طريقَها فيضعُفَ مشيُنا، فلا ينبغِ أنْ نكونَ كالذينَ يزرعُونَ في غَداتِهِم ليحصُدُوا فيِ عشيِّهِم .. و هيَ تربيةٌ تُركِّزُ كذلكَ على الناشِئَةِ الذينَ هُم أُسودُ الغَد، أُباةُ الضَيْمِ الذينَ يختَارُونَ المَنِيَّةَ على الدَنِيَّةَ، فعارٌ علَى أُمَّةِ أنْ يكونَ أبناؤُها أَحدَ أمضَى أسلِحَةِ أعدائِها، و لنْ تكونَ صناعةُ هؤلاءِ الرجالِ في دوراتِ التنميةِ البشريةِ في فنادقَ فخمة على يَدِ من هُم في مسيسٍ لتربيةٍ عقدِيةٍ، إنَّما تكونُ في أحضانِ العلماءِ و لو على الحَصِيرِ ..

فإلى كلِّ منْ رامَ بناءَ الحَضارةِ فعليهِ بالعقيدة، فإنَّه لا مَحيدَ له من البَدَاءَةِ بها، و لا يَلْتَفِتَنَّ إلى نظرياتِ فصلِ الدينِ عن المجتمعاتِ، فلا حياةَ لجسدٍ من دونِ روح تكونُ جوهره و لا معنى لروحٍ مِن دُونِ جسدٍ يكون قالبها.

إنَّ العقيدةَ حلُّ لجميعِ مشاكِلِنا مَهمَا كانَ شَكلُها و معدنها، فإنْ كانت اقتصادِيَّةً فقد جاءَ شُعيب إلىَ قومِه بتصحيحِ العقيدة، و إن كانت اجتماعية أخلاقية فكذلك نأتي من باب تصحيح العقيدة كما في خبرِ لوطٍ مع قومه .. و إن كانت غيرها فلا بُدَّ أن يَكونَ طِبُّها هو العقيدة، و طبيبها هو رجلُ العقيدة، و يا لحداقته فيها!

و لا استراحتْ قلوبٌ لا تُحركُ للعقيدةِ ساكنًا، ألم يَقُل إمامُ الدُعاة صلى الله عليه و سلّم لجرير بن عبد الله رضي الله عنه:"ألا تُريحُني مِن ذِي الخَلَصَةِ"؟! (3) فكيفَ يطيبُ لأحدِهم اليوم المحاضرة بمسجد فِيه قبرٌ يُزارُ و يُدعا، و كيف يَنعَمُ لَهُم عَيشٌ و مِئاتُ ذي الخَلَصَة من كَهَنَة و أضرِحَة و غيرِهَا حولَهُم و هم يَسمعُون و يَنظُرون و لا يحرِّكُون؟!

فلأجلِ العقيدةِ فلنتكاتَف و لنتَّحِد و لنلتفَّ حولَ عُلمائِنا و عُقلائِنا، فلنْ يكونَ انتصارُ الحقِّ على الباطلِ بالأحلامِ و الأماني، و لا بالصِّياح و تشييدِ المَباني، إنَّما هُوَ سُلُوكُ و لزوم المنهج الرباني، و العضِّ عليه بالنواجذ ما توالت الثواني: { ... فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت