ـ [سليمان الخراشي] ــــــــ [21 - Feb-2008, مساء 05:52] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
لما ظهرت الروم على بني إسرائيل بالشام، وقتلوهم، ونكحوا نساءهم، خرج بنو النَّضير وبنو قُريظة وبنو هدل، هاربين منهم إلى مَن بالحجاز من بني إسرائيل، فلما فصلوا عنها بأهليهم، بعث ملك الروم في طلبهم؛ ليردهم، فأعجزوه، وكان ما بين الشام والحجاز مفاوز، فلما قدم بنو النضير وبنو قريظة وهدل المدينة نزلوا الغابة، فوجدوها وبيَّة فكرهوها، وبعثوا رائدًا أمروه أن يلتمس منزلًا سواها، فخرج حتى أتى العالية، وهي بُطحانُ ومَهْزُورٌ، واديان من حَرَّةٍ على تلاعِ أرض عذبة، بها مياه عذبة، تُنبت حُرَّ الشجر، فرجع إليهم، فقال: قد وجدتُ لكم بلدًا طيبًا نزهًا، على حُرة يصب فيها واديان، على تلاع عذبة، ومَدَرة طيبة،
فتحول القوم إليها، فكان ممن يسكن المدينة - حين نزلها الأوس والخزرج - من قبائل بني إسرائيل: بنو عكرمة، وبنو ثعلبة، وبنو محمر، وبنو زعورا، وبنو قَينُقاع، وبنو زيد، وبنو النضير، وبنو قريظة، وبنو بهدل، وبنو عوف، وبنو الفصيص، وكان يسكن يثرب جُمَّاع من أمناء اليهود، وكان بنو مرانة فيهم الشرف والثروة والعز على سائر اليهود.
فلما توجه الأوس والخزرج من اليمن إلى المدينة، نزلوا في صِرار، موضع قريب منها،، فأقاموا في منازلهم التي نزولها بالمدينة في جهد وضيق في المعاش، ليسوا بأصحاب إبل ولا شاء؛ لأن المدينة ليست بلاد نَعَم، وليسوا بأصحاب نخل ولا زرع، وليس للرجل منهم إلا الأعذاق اليسيرة، والمزرعة يستخرجها من أرضٍ موات، والأموال لليهود، فلبثت الأوس والخزرج بذلك حينًا.
ثم إن مالك بن العجلان وفد إلى أبي جُبيلة الغساني، وهو يومئذ ملك غسان، فسأله عن قومه وعن منزلهم، فأخبره بحالهم؛ وضيق معاشهم، فقال له أبو جبيلة: والله ما نزل قوم منا بلدًا قط إلا غلبوا أهله عليه، فما بالكم؟ ثم أمره بالمضيّ إلى قومه، وقال له: أعلمهم أني سائر إليهم، فرجع مالك بن العجلان، فأخبرهم بأمر أبي جُبيلة؛ ثم قال لليهود: إن الملك يريد زيارتكم فأعِِدوا نُزلًا؛ فأعدوه، وأقبل أبو جُبيلة سائرًا من الشام في جمع كثيف، حتى قدم المدينة، فنزل بذي حُرُض، ثم أرسل إلى الأوس والخزرج، فذكر لهم الذي قدم له، وأجمع أن يمكر باليهود حتى يقتل رؤوسهم وأشرافهم، وخشي إن لم يمكر بهم أن يتحصنوا في آطامهم، فيمتنعوا منه، حتى يطول حصاره إياهم، فأمر ببناء حائرٍ واسع - مكان فسيح مغلق -، فبني، ثم أرسل إلى اليهود: أن أبا جُبيلة الملك قد أحب أن تأتوه، فلم يبق وجه من وجوه القوم إلا أتاه، وجعل الرجل يأتي معه بخاصته وحشمه رجاء أن يحْبُوَهم، فلما اجتمعوا ببابه، أمر رجالًا من جنده أن يَدخلوا الحائر، الذي بُني، ثم يقتلوا كلَّ من يدخل عليهم من اليهود، ثم أمر حُجابه أن يأذنوا لهم في الحائر، ويُدخلوهم رجلًا رجلا، ً فلم يزل الحجَّاب يأذنون لهم كذلك، ويقتلهم الجند الذين في الحائر، حتى أتوا على آخرهم.
فق الت سارة القُرَظية ترثي مَن قُتل:
بنفسي أمَّة لم تُغْن شيئًا
بذي حُرُضٍ تُعَفيها الرياحُ
كُهُولٌ من قريظة أتلفتها
سيوفُ الخزرجيَّة والرماحُ
رُزئنا والرزية ذات ثِقلٍ
يَمَرُ لأهلها الماءُ القَرَاحُ
ولو أرِبو بأمرهمُ لجالتْ
هنالك دونهم جَأْوَا رَدَاحُ
وقال الرمق، وهو عبيد بن سالم بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج يمدح أبا جُبيلة الغساني:
لم يُقْض دينك في الحسا
نِ وقد غَنيت وقد غَنينا
الراشقاتِ المرشقا
تِ الجازياتِ بما جُزينا
أمثالُ غزلان الصرا
ئمِ يأتزرن ويرتدينا
الرَّيطَ والدِّيباج
والزَّردَ المضاعف والبُرِينا
وأبو جُبيلة خيرُ من
يمشي وأوفاهم يمينا
وأبرّه بِرًا وأعلـ
مه بعلمِ الصالحينا
أبقت لنا الأيامُ
والحرب المهمةُ تعترينا
كَبْشًا لنا ذَكَرًا يفلُّ
حسامُه الذَّكَر السَّنينا
ومعاقلا شُمًّا وأسيـ
افًا يَقُمن وينحنينا
ومحلَّة زوراء تُر
جف بالرجال المصلتِينا
فلما أنشدوا أبا جُبيلة ما قال الرمق، أرسل إليه، فجيء به، وكان رجلًا ضئيلًا غير وضيئ، فلما رآه قال: عسلٌ طيب، ووعاء سوء، فذهبت مثلًا، وقال للأوس والخزرج: إن لم تغلبوا على هذه البلاد بعد مَن قتلتُ من أشراف أهلها فلا خير فيكم، ثم رحل إلى الشام.
فقال لهم مالك: إن ذلك كان على غير هوىً منا، وإنما أردنا أن نمحوه، وتعلموا حالكم عندنا، فأجابوه، فجعل كلما دخل عليه رجلٌ منهم أمر به مالك، فقُتل، حتى قتل منهم بضعة وثمانين رجلًا، ثم إن رجلًا منهم أقبل حتى قام على باب مالك، فتسمع فلم يسمع صوتًا فقال: أرى أسرع وِردٍ، وأبعد صَدَرٍ، فرجع وحذَّر أصحابه الذين بقوا، فلم يأت منهم أحد، فقال رجل من اليهود لمالك بن العجلان:
فَسَفَّهْتَ قَيْلَة أحلامها
ففيمن بقيتَ وفيمن تسودْ؟
فقال مالك:
فإني امرؤ من بني سالم عـ
ـوف وأنت امروءٌ من يهودْ؟
وصوَّرت اليهودُ مالكًا في بِيَعهم وكنائسهم، فكانوا يلعنونه كلما دخلوها، فقال مالك بن العجلان في ذلك:
تحامى اليهودُ بتلعانها
تحامي الحمير بأبوالها!
فلما قتل مالكٌ من يهودَ من قتل، ذلوا؛ وقل امتناعهم؛ وخافوا خوفًا شديدا؛ وجعلوا كلما هاجهم أحدٌ من الأوس والخزرج بشيء يكرهونه لم يمشِ بعضهم إلى بعض، كما كانوا يفعلون قبل ذلك، ولكن يذهب اليهودي إلى جيرانه الذين هو بين أظهرهم فيقول: إنما نحن جيرانكم ومواليكم!، فكان كلُ قوم من يهود قد لجأوا إلى بطن من الأوس والخزرج، يتعززون بهم. (مختصر من الأغاني: 22/ 115ومابعدها) .
فما رأيكم بفعلهما؟
(يُتْبَعُ)