ـ [ابن الطيب] ــــــــ [19 - Jan-2010, مساء 02:51] ـ
من مباشر معنا إلى مباشر ضدنا
بثت القناة المغربية الثانية مساء يوم الأربعاء 6 يناير 2010 ضمن برنامج مباشرة معكم حلقة خصصتها لمناقشة قضية خوف الغرب من الإسلام، واستدعت لها جملة من الباحثين ليؤطروا النقاش. وقد كانت ضرورات الالتزام بالمنهج والوفاء لعنوان الحلقة والصدق مع المشاهد دواعي قوية للتركيز على موقف الغرب من الإسلام وعلى بحث الأسباب والدواعي لذلك الموقف، وعلى تحديد المسؤوليات إزاءه، وعلى اقتراح الحلول المشتركة لتجاوز أزمة العلاقة بين الغرب والإسلام. لكن البرنامج انزلق عن موضوعه فتحول إلى حلقة لتسويق مواقف بعض المشاركين من الإسلام، وهي مواقف متجنية عبرت عن نفسها بلغة متشنجة لا علاقة لها بالعقلانية أو بالعلم، فمثلت هجوما واضحا على القرآن الكريم وتحديا لمشاعر المواطنين، وكانت الحلقة في جملتها مناقضة لمسار المغرب وتوجهه نحو تجنيب الوطن كل أسباب التوتر والتطرف بكل أشكاله، كما أنها ناقضت ما يأخذ به المغرب من إبعاد كل المؤثرات الخارجية عن التدين المغربي، بعد أن أصبح التوجيه الديني عملا مؤسسيا لا ينفرد به شخص معين، وإنما تضطلع به هيئة علمية متخصصة تتناول قضايا الدين بما تستحقه من عمق ونأي عن المغامرات الخطيرة المجهولة النتائج والتداعيات.
خطاب التقريع
فلقد انتصب محمد أركون ومصطفى بوهندي لتوجيه خطاب التقريع إلى المجتمع المغربي المتهم عندهما بالجهل بما في الأديان الأخرى، ولترديد أفكار مستهلكة معروفة من قبيل تحميل المسلمين كل أسباب التوتر، ولاتهام المسلمين أيضا باعتماد قراءات خاطئة للتراث الإسلامي عموما، وللحديث على وجه الخصوص.
وعلى كثرة ما وردت في مداخلتي أركون وبوهندي من الأقوال المتجنية ومن الجهالة الظاهرة، فإن ذلك كله يهون أمام سماع الطعن الصريح في القرآن بالذات، وأمام التزييف الشنيع لحقائق الإسلام.
فلقد كان أركون يمهد لخطابه بالإيهام باختصاصه بالعقلانية وبامتلاكه للمنهج العلمي الذي يجعل كل ما يقوله هو الحق والصواب، ثم وجه نقده وطعنه الصريح إلى القرآن الكريم على شاشة الشعب المغربي المسلم الذي يمول هذه القناة ويقيمها من عثراتها المالية، ويوفر لها ما تضيِّف به من يطعن في قرآنها ويسفه دينها.
أركون والطعن الأول
في البداية تعلق أركون بتعبير أحد المتدخلين عن الإسلام بأنه دين الحق، فانتفض مدعيا أن القول بأن الإسلام دين الحق يمثل اعتداء على الأديان الأخرى، وهو القول الذي زج بالناس في حروب دينية.
وهذا الادعاء الغريب الصادم يجعلنا نتساءل إن كان أركون يعلم أن هذا النص المعترض عليه هو نص قرآني وتوصيف إلهي للإسلام بأنه دين الحق، فيكون بذلك معترضا على الله ومستدركا عليه، وطاعنا في خطابه، أم أن أركون يجهل أن النص الذي يتوجه إليه بالنقد والمواخذة هو آيات قرآنية متكررة في كتاب الله؟.
فلقد تكرر وصف القرآن الإسلام بأنه دين الحق في مواضع عدة، فقال الله تعالى في سورة التوبة: '' هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق'' (التوبة: 32) وقال في سورة الفتح: ''هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق'' (الفتح: 28) وقال في سورة الصف: '' هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق '' (الصف: 9) .
وتحدث القرآن في سورة التوبة عن الذين لا يدينون دين الحق. فهذه الآيات صريحة في وصف الإسلام بأنه دين الحق ولا يمكن أن يستدرك عليها إلا أعجمي اللسان والذوق سيئ الفهم للنصوص.
إن المرء ليعجب حقا من هذا الأسلوب الأركوني في قراءة النصوص وتحليلها والاستنتاج منها. وصاحب هذا الاستنتاج هو الذي لم يفتأ يبشر بالقراءة العلمية التي تتجاوز أخطاء القدماء.
ومن معطيات هذه القراءة العجيبة أنك حينما تصف دينا بوصف معين فأنت بالضرورة تتهم الأديان الأخرى بنقيض ذلك الوصف. فإن قلت الإسلام دين حق كان معنى ذلك في منطق أركون أن الأديان الأخرى على النقيض من ذلك، وإن قلت إن الإسلام دين سماوي فمعنى ذلك أن الأديان الأخرى غير سماوية.
(يُتْبَعُ)