فهرس الكتاب

الصفحة 22690 من 28557

إن هذه محاولة عجيبة في الأخذ بمفهوم المخالفة أخذا يقترن بالجهل الفظيع بمواضع الأخذ به عند من يقول بمفهوم المخالفة. ومقتضى هذا التحليل أنك لو سميت مثلا حزبا بالحزب الوطني الديمقراطي الاجتماعي فأنت تتحرش بالأحزاب الأخرى وتتهمها بأنها ليست وطنية ولا ديمقراطية ولا اجتماعية. ولو انتهج الناس هذا النهج في فهم النصوص وفي الاستنتاج منها لصارت الدنيا اتهامات لا تنتهي وخصومات لا تنقطع.

ومن يعرف العربية يعلم أن لها أسلوبا خاصا يعلم منه أن المسكوت عنه هو نقيض المتحدث عنه وذلك هو أسلوب القصر. وأتمنى أن يكون لأركون رغبة في أن يتعلم هذا الأسلوب فيرجع إلى ما كتبه الزمخشري في تفسير قول الله تعالى: '' إنك أنت الاعلى'' الذي ورد فيه تقرير اختصاص موسى بالعلو من ستة أوجه (الكشاف 2/ 444) .

القراءة التحكمية

إن الغريب في منهج محمد أركون في الوصول إلى الخلاصات التي يكونها عن الدين وهو رجل المنهج والعقلانية أنه يريد أن يؤسس تصورا عن موقف الإسلام من الأديان الأخرى من مجرد استنتاج خاطئ وقراءة تحكمية في الأسلوب العربي لآيات يصف الله فيها الإسلام بأنه دين الحق، والحال أن القرآن طافح بالآيات المتعددة التي عبر فيها القرآن بدقة وجلاء عن موقفه من الأديان. وليس من المنهج في شيء أن تسكت النصوص الصريحة ليعدل عنها إلى الإشارات والاستنتاجات الخاطئة، لأن الإسلام له كتابه الفصيح القادر على أن يعبر عن ذاته من غير أن يحوج إلى تأويلات وافتراضات لا تقوم مقام نصوص القرآن.

وحينما نبحث عن موقف القرآن من الأديان فإننا نجده موقفا علميا متوازنا يميز في الأديان بين حالتها التي كانت فيها على صفائها الأول، وبين الحالات التي تعرضت فيها إلى تدخل البشر وتصرفه في الوحي.

فالقرآن حينما يتحدث عن الأديان في أصولها وعن كتبها وعن أنبيائها وعن أتباعهم الصادقين فإنه يشيد بذلك كله، فهو يقول عن التوراة: '' إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور'' (المائدة 46) . ويقول عن موسى وهارون وقومهما: '' ولقد مننا على موسى وهارون ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم ونصرناهم فكانوا هم الغالبين وآتيناهما الكتاب المستبين وهديناهما الصراط المستقيم '' (الصافات 118) وقال عن مراده في بني إسرائيل: '' ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين '' (القصص4) ويقول عن عيسى وعن تنزيل الإنجيل عليه: '' وآتيناه الانجيل فيه هدى ونور'' (المائدة 48) وقال عن النصارى الصادقين: '' وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق'' (المائدة 85) وإذا صح للقرآن أن يسمي التوراة كتابا مستبينا ودينها صراطا مستقيما، ويسميها مع الإنجيل هدى ونورا، فهل ينتقد عليه أن يسمي الإسلام دين حق؟.

لكن القرآن مع ذلك لا يتجاهل المسار التاريخي للأديان والتدخلات البشرية التي تعرضت لها، فأدت إلى تحريفات غاب بسببها أصل التوحيد، فنشأت بين أتباعها انتقادات ثم خصومات وصراعات دامية.

والغريب في الموضوع أن أكثر الباحثين لا يكفون عن التمييز بين الدين في أصله الإلهي، وبين التدين باعتباره فعلا بشريا حينما يتحدثون عن الإسلام، لكنهم لا يقبلون هذا التمييز حينما يتعلق الأمر بالأديان الأخرى، فيرون أن مجرد الإشارة إلى وقوع الانحراف التاريخي فيها هو اعتداء عليها، كما يرى ذلك أركون في منهجه المتناقض.

لكن الذي يجب أن يكون الحكم الفصل الذي يبعد عن المماحكات هو الرجوع إلى الواقع التاريخي الموضوعي للأديان، وهو واقع علمي موثق كتبه أتباع الديانات أنفسهم.

الواقع التاريخي الموضوعي للأديان

فبالنسبة إلى المسيحية كان مؤتمر نيقية المنعقد سنة 325 مرحلة فارقة إذ اجتمع فيه 2048 من رجال الكنيسة ليحسموا في الاختلاف العقدي الذي عاشه المسيحيون من قبل، والمتعلق بطبيعة المسيح، وبصلة اللاهوت بالناسوت في المسيح، وقد انقسمت المسيحية على خمسة آراء شكلت فيما بعد طوائف دينية متباعدة، فكان رأي الأمبراطور قسطنطين يتجه إلى المزج بين المسيحية في صفائها وبين بقايا العقائد المحلية، وانحازت كنيسة الإسكندرية ثم كنيسة روما إلى موقف المزج، وكتب 318 من رجال الكنيسة بيانهم النهائي الذي حددوا فيه طبيعة المسيح، وجاء فيه ما نصه: نؤمن بالإله الواحد الأب صانع كل شيء

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت