فهرس الكتاب

الصفحة 4500 من 28557

عندما يطغى الولاء القُطري على الولاء الأممي:(حادثة طرد الشيخ وجدي غنيم أنموذجًا)

ـ [عبدالرحيم التميمي] ــــــــ [27 - Nov-2007, مساء 04:03] ـ

عانى المسلمون في أعقاب خروج المستعمر من"كارثة"غياب تحكيم الشريعة الإسلامية في معظم بلاد المسلمين , واختلفت مواقف الإسلاميين إزاء المشاركة في النظم السياسية المنسوبة زورًا للديمقراطية , وتميزت مواقف السلفيين بالامتناع عن المشاركة في العملية الديمقراطية وذلك لسببين:

أولهما/

الحرج الشرعي المتمثل في القسم على احترام قانون مناقض للإسلام أو إقرار أحكام غير شرعية أو غيرها من المسوغات.

ثانيهما/

وجود المرجعية السلفية في بلد يُرفع فيه شعار تحكيم الشريعة وتغيب فيه كافة الأنشطة الديمقراطية من تشكيل أحزاب وانتخاب ساهم في تعزيز الموقف لدى السلفيين إذ أن التباين بين فتاوى المرجعية ومعطيات واقع الدول العربية الأخرى أدى بشباب التيار السلفي في تلك البلاد العربية لتبني موقف المرجعية دون التفريق بين معطيات الواقع في بلاد الحرمين وبلادهم.

ومن الإنصاف أن يقال أن ثمة فتاوى وُجدت لبعض العلماء جعلت الباب مواربًا لخوض التجربة السياسية إلا أن التجربة الإخوانية التي فرطت في ثوابت شرعية في نظر السلفيين أكدت على خيار الاعتزال والاكتفاء بالإصلاح الاجتماعي والدعوي , ومن الطريف أن تيار الإخوان شهد مؤخرًا دعوة من الأستاذ محمد عمارة لاعتزال المعترك السياسي.

الذي لا أشك فيه أن أي سلفي يخوض المعترك السياسي في الكويت أو غيرها قد قرر هذا الخيار وهو يدرك الإشكاليات الشرعية التي تكتنف هذا الميدان كنتيجة طبيعية لغياب حاكمية الشريعة عن الفكرة الديمقراطية , وبالتالي فالتجربة البرلمانية لا تعدو أن تكون عملية إصلاحية اضطرارية يخوضها دعاة الإسلام امتثالًا للمنهج القرآني (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت) فالمفاسد المترتبة على غياب الإسلاميين عن الميدان تفوق مفاسد اعتزالهم وبناء عليه كان خيار المشاركة والمدافعة إن جاز التعبير.

الظاهرة المؤلمة التي بدأت ألحظها على بعض الإسلاميين وتجلت في قضية الشيخ وجدي غنيم أن كثرة معايشتهم للجو البرلماني الذي يجعل من مصلحة القطر أو البلد قطب الرحى مع إسباغ المدائح"لزوم اللباقة الدبوماسية"على الأنظمة الراعية للعملية الديمقراطية ,وتعاطيهم اليومي مع الإعلام في ظل نظرة قُطرية ضيقة لا تتجاوز حدود الدولة التي يعيشون فيها , في ظل هذا كله تسلل إلى بعض النواب الإسلاميين بعض"الخصال الجاهلية"التي تُعلي من الشأن القطري والوطني على حساب الشأن الأممي الإسلامي حتى أنك لا تكاد تفرق بين خطاب البرلماني الإسلامي عن غيره من العلمانيين واللادينيين.

لئن تنازل الإسلاميون عن فكرة الإصلاح الشامل للأمة الإسلامية من خلال برنامج موحد لصعوبة الأمر إن لم يكن استحالته , فشرعوا في عمليات مرحلية طويلة الأمد لإصلاح بلدانهم وفق الوسع والطاقة , فهذا أمر مقبول , ولكن أن"يبتلع"هؤلاء الفضلاء مفاهيم"الوطنية"و"الديمقراطية"كما يروجها الجاهليون فتطغى على أدائهم وعقولهم فإن في هذا مقبرة لمشروعهم الحضاري الذي يبشرون به صباح مساء , كما أن في هذا"إذكاءً"للنعرات الإقليمية , وتغييبًا لمقاصد الشرع المطهر الذي جعلنا"أمة واحدة".

ذُهلت حينما بلغني أن ثلاثة من نواب التيار السلفي الكويتي تبنوا إجراءً أمنيًا لمنع الشيخ الداعية /وجدي غنيم من دخول الكويت بحجة أنه أساء لأمير الكويت أو للكويتيين في محاضرة مسجلة له قبل 16سنة , ولم يقف الأذى لهذا بل تجاوز الأمر لحث السلطات البحرينية لطرد الشيخ وجدي غنيم من أراضيها ليحال بين الشيخ وبين زوجته وأولاده.

وقد بادر الشيخ غنيم لاصدار بيان في موقعه الرسمي ينفي فيه تعمد الإساءة , وقد ذيله بالاعتذار عن الإساءة عن الشعب الكويتي مع كونه لا يتذكر المقالة المنسوبة إليه من خصومه.

إنه لمن العجيب أن يستدعي النواب الثلاثة كلمات من التاريخ قالها الشيخ غنيم قبل 16سنة انتقد فيها أمير الكويت فيُصار إلي استصدار قرار أمني لمنعه والتضييق عليه في دعوته و"معيشته", ومن المذهل أن يثأر النواب لكلمات قالها داعية إسلامي فاضل في حق رجل كان يقف على هرم نظام لا يحكم بالشريعة الإسلامية , ونحن نعرف أن أهون القراءات السلفية المعاصرة لحال هذه الأنظمة تقول فيها أضعاف ما قاله وسيقوله وجدي غنيم وأمثاله.

يبدو أن ضجيج البرلمانات, وفلاش عدسات التصوير , واللهاث لإثبات"الوطنية"قوض مبادىء الإسلام وقيمه العظيمة التي ربطت بين أهل الإيمان مهما تباعدت ديارهم , وباينت بين التقي والفاجر ولو كانوا إخوة أشقاء , وجعلت"النصرة"و"المودة"و"المحبة"تُبذل بقدر ما لدى المرء من إيمان وإسلام وعمل صالح , لا بقدر انتمائه القبلي أو الاقليمي أو الوطني.

في ضوء هذه الحادثة المؤلمة ومثيلاتها في الساحة الإسلامية نرى"معالم منهج السلف"تُنحر على جدار مبكى الديمقراطية الزائفة , وقيم الإسلام العظيمة تُدنس على حدود سايس بيكو ,وهذا مظنة سقوط مشاريعهم ومصداقيتهم، هذا إن سلموا من دعوة رجل تقي مصلح"نحسبه والله حسيبه"في جوف الليل، حيل بينه وبين زوجه وأولاده وضاقت عليه الأرض بما رحبت، صبرًا شيخنا الفاضل وجدي غنيم، فإن الفرج قريب

ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين , ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عبدالرحيم التميمي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت