فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [الشيخ محمد سعيد] ــــــــ [13 - Dec-2009, مساء 03:12] ـ
رزئت فيه الأمة باغتيال على أيدي المجرمين، فذهب ضحية الحسابات الحزبية والسياسية الضيقة قاتلها الله .. تهيبك طلعته، قدمته يوما في محاضرة بإحدى مساجد جامعة باتنة فأمطرتُه بوابل من أسئلة الحضور دفعة واحدة قصدت الإيجاز، وشعرت أنه قلق مني فهبته .. ولكن أحببته لما رأيت فيه من خلق رفيع وعلم غزير، وإذا كان الشيخ الغزالي يجمع بين الإثارة والتفقيه فإن الشيخ محمد السعيد أضاف إلى ذلك عمق الفكرة والقدرة على تبسيط أفكار الرجال الكبار كالشاطبي ومالك بن نبي بأسلوبه الذي يتسم ببلاغة وبيان رفيع جعله مبدعا للبيان"وإن من البيان لسحرا"كما قال الرسول -صلى لله عليه وسلم-، كان الشيخ محمد الغزالي يقول عنه"مارأيت خطيبا مثله قط"، قرأت ذلك في جريدة الموعد ..
رغم أن الرجل قبائلي ويجيد الفرنسية وكان شخصية محبوبة لها وزنها في بلاد القبائل، ولاعجب فبلاد القبائل هي من أنجبت أمثال الورتيلاني ومولود قاسم نايت بلقاسم، رحمهم الله وأسرة آل شيبان الذين كان لهم فضل ويد بيضاء على وزارة الشؤون الدينية في عهد الرئيس السابق الشادلي بن جديد.
ليس بيدي مقالات الشيخ أو محاضراته لأكتب عنه وأدعو تلامذته إلى إعداد دراسة في فقة الدعوة في فكر الشيخ الراحل، ولكن أذكر الأمة بالدرس التاريخي الذي ألقاه بالجامعة المركزية عقب أحداث 1982 حينما اعتقلت السلطة الدكتور بوجلخة وعباسي مدني ومن معهم من العلماء والدعاة، وقال يومها للشباب: ادعو إلى الله في كل مكان في الطرقات في الحافلات، اسمعوا كلمة الله في كل مكان وهي الخطبة التي أعتقل بعدها.
كذلك أذكر له درسه التاريخي الذي ألقاه بأحد مساجد الجامعة بالجزائر عقب الإهانة التي تعرض لها من أوغاد العامة أثناء تأسيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ من الذين شتموه وهموا بضربه وقد ذهب ينقل إليهم رسالة موقعة من الشيخ أحمد سحنون يدعوهم فيها إلى التريث ومشاورة جميع الدعاة والعلماء وعدم التسرع في الإعلان عن حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ يومها في مسجد السنة، وهي النصيحة التي لم يصغ إليها هؤلاء، لقد ألقى عقبها الشيخ درسا بمسجد من مساجد الجامعة فبكى وأبكى الحضور، وقال -كما أذكر- إننا نعيش نهضة فقهية كبيرة ولكنها عرجاء تسير على قدم واحدة لأنها تفتقر إلى الأخلاق.
كذلك أذكر أنه حينما قال له الشيخ عباسي مدني في ملتقى الدعوة الإسلامية الثاني بالجزائر بأنه يراه رمز علماء الأمة وأن العلماء يعملون ويخططون وأنهم إن لم يفعلوا ذلك واكتفوا بمثل هذه الملتقيات كان كمن يحضر حفلا، ثم استطرد يقول إن الذي يذهب إلى الحفل قد يعود على الأقل بقفة من الحلوى بخلاف هذه الملتقيات، ودعا الشيخ محمد السعيد إلى عدم التخلي عن الجبهة، وقال له الجبهة جبهتكم، وكان ذلك استدراجا للشيخ، أقحمه في ميدان العمل السياسي الذي أودى بحياته.
كذلك حينما أطلق خطبته النارية في مسجد السنة عقب اعتقال شيوخ الجبهة الإسلامية يومها عباسي مدني وعلي بن حاج، وقال موجها خطابه إلى الجميع"إما جبهة إسلامية أصيلة وإما السجون والمعتقلات"، ثم قال:"إننا نريد الحوار إننا نريد الحوار إننا نريد الحوار، إن هذه الجبهة قلمت كثيرا من الأظافر الحادة، فإذا ضربت الجبهة لا قدر الله فإن الأمور ستنفلت".. وحينما عقد ندوته الصُحفية التي أعتقل فيها قال محذرا السلطة"إنني أمسك بيدي قنبلة مفككة وشيكة الإنفجار وساعة أطلقها ستنفجر فساعدوني على تفادي انفجارها"، وحينما سأله أحدهم هل تملك بطاقة الجبهة الإسلامية للإنقاذ حتى تتحدث باسمها، فقال: إن الذي يربطني بالجبهة هو الإسلام وليس البطاقة. داهمت قوات الأمن الندوة الصحفية واعتقل الشيخ على مرأى ومسمع وسائل الإعلام المحلية والعالمية، ليطلق سراحه قبل الانتخابات التشريعية التي فازت فيها الجبهة الإسلامية المحظورة يومها.
كان من حسنات الشيخ عباسي مدني أنه أقحم تيار النخبة في ضمير الأمة وكذا الفكرة الإسلامية برمتها وليته استشار وأحسن اختيار الرجال من بدء الإنطلاق.
(يُتْبَعُ)