فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [ابن هشام الدمشقي] ــــــــ [26 - Sep-2009, صباحًا 09:59] ـ
إن أهل الزيغ والضلال اتبعوا ما ورد من مشكل في بعض روايات هذا الحديث وزعموا أن هذا الرجل شك في قدرة الله تعالى وفي علمه عز وجل، وأنه مع هذا الشك كان مؤمنًا موحدًا. فهم كعادة أسلافهم من أهل الزيغ والضلال اتبعوا المتشابه ابتغاء الفتنة والإضلال وتحريف التوحيد الذي هو أصل الأصول.
وهذا الرجل لا يمكن أن يكون شاكًا في علم الله عز وجل بمكان تواجد ذراته المتفرقة في البر والبحر، ولا يمكن أن يكون شاكًا كذلك في قدرة الله عز وجل على جمع ذراته المتفرقة في البر والبحر، وإحيائه بعد أن صار رمادًا متفرقًا في البر والبحر، وذلك للأسباب التالية:
الأول: إن هذا رجل موحد كما دلت عليه رواية أحمد في مسنده، وكما دلت عليه الروايات بمجموعها أنه رجل من أهل الجنة. والإنسان لا يكون موحدًا لله بل ولا عارفًا بالله إلا بالإيمان الجازم واليقيني أنه على كل شيء قدير وأنه بكل شيء عليم، وهذا بإجماع المسلمين الموحدين خلا أدعياء التوحيد.
الثاني: إن الله عز وجل وبَّخ أشد ما توبيخ من استبعد قدرته على النشأة الثانية في غير ما آية في كتاب الله عز وجل منها قوله تعالى: [أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ] (يس: 77 - 83) حيث اكتفى الله عز وجل بقدرته على خلق الإنسان من العدم كدليل على قدرته على خلقه من جديد حتى ولو صار عظامًا بالية متفتتة، واستدل على قدرته على خلق الإنسان من العظام البالية بإخراج النار من الشجر الأخضر، وبقدرته على خلق السماوات والأرض.
وقد اعتبر الله عز وجل استبعاد قدرته على إعادة الإنسان بعد أن أصبح ترابًا (أي كالعدم) قولًا عجبًا، وتوعد القائلين به، وذلك في قوله عز وجل: [وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] (الرعد: 5) فلو كان هذا الرجل شاكًا في قدرة الله عز وجل لوبخه الله عز وجل على ذلك.
وكذا فإن الله عز وجل قد اكتفى بدليل الخلق على علم الخالق سبحانه لما خَلَقَهُ، حيث قال: [وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ] (الملك: 13 - 14) ، فلو كان هذا الرجل شاكًا في علم الله عز وجل لوبخه الله عز وجل على شكه في علمه سبحانه. لكن الرجل لم يشك في قدرة الله عز وجل ولا في علمه سبحانه وتعالى طرفة عين ولذلك لم يحتج إلى هذا التوبيخ.
الثالث: إنه لم يثبت عن أحد من الصحابة وخاصة رواة الحديث أنهم نفروا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند سماعهم للحديث مستوضحين ما اضطربت فيه أقوال المتأخرين، فإنهم كثيرًا ما كانوا يستوضحون من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما أشكل عليهم، فلو فهموا من هذا الحديث أن هذا الرجل كان شاكًا في قدرة الله عز وجل أو في علمه سبحانه ومع هذا دخل الجنة لاستشكل عليهم الأمر، ولسألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنه. ولم يثبت كذلك لا عن التابعين ولا عن تابعيهم أي استشكال لهذا الحديث، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على سلامة فهمهم واتفاقهم على تأويله بعيدًا عن المعنى الكفري.
(يُتْبَعُ)