فهرس الكتاب

الصفحة 24334 من 28557

ـ [ابو البراء الغزي] ــــــــ [15 - Apr-2010, مساء 01:55] ـ

تأليف العلامة الشيخ

عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذه المحاورةُ اللطيفةُ الهادئةُ جمعت بين قوةِ الحجةِ ووضوحِ المحجةِ وسلامةِ المنهجِ، وبُعدِ النظرِ والبحث عن الأسبابِ وعلاجها ثم الوصول إلى الثمرةِ المرجوةِ، كل ذلك في صفحاتٍ يسيرةِ لا تتجاوزُ العشرين صفحة، فرحِمَ الله ابنَ سعدي وأعلى منزلتَه في المهديين وجمعنا به في جناتِ النعيمِ.

أ. د عبدالله بن محمد بن أحمد الطيار

مكة المكرمة

محاورة دينية اجتماعية

خطر الإقامة بين الكفار ( [2] ) :

هذه صورة محاورة بين رجلين كانا متصاحبين رفيقين ( [3] ) مسلمين، يدينان بالدين الحق، ويشتغلان في طلبِ ( [4] ) العلم جميعًا، فغاب أحدهما عن صاحبه مدة طويلة، ثم التقيا، فإذا هذا الغائب قد تغيرت ( [5] ) أحواله وتبدلت أخلاقه، فسأله صاحبه عن ذلك، فإذا هو قد تغلَّبت عليه دعايةُ الملحدين ( [6] ) الذين يدعون لنبذِ الدين ورفضِ ما جاء به المرسلون. فحاوله صاحبه وقلبه لعله يرجع عن هذا الانقلابِ الغريبِ فأعيته الحيلةُ في ذلك، وعرف أن ذلك علةٌ عظيمةٌ ومرضٌ يَفتقِرُ إلى استئصال الداء ومعالجته بأنفع الدواء وعرف أنَّ ذلك متوقفُ على معرفِة الأسباب ( [7] ) التي حولته والطرق التي أوصلته إلى الحالةِ المخيفةِ وإلى فحصِها وتمحيصِها وتخلِيصها وتوضيحها، ومقابلتِها بما يضادُها ويقمعُها على وجه الحكمةِ والسدادِ، فقال لصاحبه مستكشفًا له عن الحامل له على ذلك:

يا أخي، ما هذه ( [8] ) الأسباب التي حملتك على ما أرى؟ وما الذي دعاك إلى نبذ ما كنتَ عليه؟ فإن كان خيرًا كنتُ أنا وأنت شريكين، وإن كان غير ذلك فأعرفُ من عقلك ودينك وأدبك أنني وأنك لا ترضي أن تقيمَ على ما يضُّرك.

الإعجاب بالكفار وأعمالهم

فأجابه صاحبه قائلًا: لا أكتمك أني قد رأيتُ المسلمين على حالةٍ لا يرضاها ذوو ( [9] ) الهمم العلية: رأيتهُم في جهلٍ وذلٍ وخمولٍ، وأمورهم مدبرة، وفي الجانب الآخرِ هؤلاء الأجانب قد ترقوا في هذه الحياة وتفننوا في الفنونِ الراقيةِ والمخترعاتِ العجيبةِ المدهشةِ والصناعاتِ المتفوقةِ، رأيتُهم قد دانت لهم الأممُ، وخضعت لهم الرقابُ، وصاروا يتحكمون في الأمم الضعيفةِ بما شاؤوا ويعُدُّونهم كالعبيدِ والأُجراءِ، فرأيتُ فيهم العزَّ الذي بهرني، والتفننَ الذي أدهشني فقلتُ في نفسي: لو لا أن هؤلاء القوم هم القوم وأنهم على الحقِّ والمسلمون على الباطلِ لما كانوا على هذا الوصفِ الذي ذكرتُ لك. فرأيتُ أن سلوكي سبيلهم واقتدائِي بهم خيرٌ لي وأحسنُ عاقبة فهذا الذي صيَّرني إلى ما رأيتَ.

فقال له صاحبه حين أبدى ما كان خافيًا: إذا كان هذا هو السبب الذي حوَّلك إلى ما أرى فهذا ليس من الأسباب التي يبني عليها أُولوا الألبابِ والعقولِ عقائدهَم وأخلاقَهم وأعمالَهم ومستقبلَ أمرِهم، فاسمع يا صديقي تمحيص هذا الأمرِ الذي غرك وحقيقَته:

أفبتفريط المسلمين نحتج على الدين؟

إنَّ تأخر المسلمين فيما ذكرت ليس ناشئًا عن دينهم، فإنه قد علِم كُلُّ من له أدنى نظر وبصيرة أنَّ دينَ الإسلامِ يدعو إلى الصلاحِ والإِصلاح في أمورِ الدين وفي أمورِ الدنيا، ويَحثُّ على الاستعدادِ من تعلمِ العلومِ والفنونِ النافعة، ويدعو إلى تقويةِ القوة المعنوية ( [10] ) والمادية لمقاومة الأعداء، والسلامة من شرهم وأضرارهم، ولم يستفد أحدٌ منفعةً دنيويةً فضلًا عن المنافع الدينيةِ إلا من هذا الدينِ، وهذه تعاليمُه وإرشاداتُه قائمة لدينا تنادي أهلهَا: هَلُمّ إلى الاشتغالِ بجميع ِ الأسبابِ النافعة التي تُعَلِّيكم وتُرقِّيكم في دينكم ودُنياكم. أفبتفريط المسلمين تحتجُ على الدين؟! إن هذا لهو الظلمُ المبينُ!.

"من الخطأ الحكم على الإسلام من خلال واقع المسلمين"

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت