فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [أبو عبد الله عادل السلفي] ــــــــ [21 - Nov-2009, صباحًا 07:32] ـ
الشيخ أبو أويس مولاي رشيد الإدريسي
"الصديق فيُثني، وأما العدوُّ فيقع .."
ولكن نعوذ بالله من تتابع الألسنة كلِّها""
ليس من الحق في شيء عند أي مخالفة وقعت، إصدار الكلمات والأحكام كيفما اتفقت؛ ذلك أن"الكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل، لا بجهل وظلم، كحال أهل البدع"1 فمَنْ جعل أدنى اختلاف مُسوِّغًا للتشهير والتَّعييب، والتَّحقير والتَّلْقيب، فقد حمَّل الأمر مالا يتحمَّلهُ، ولقي الله بذنْبٍ يعجز عنه كاهلُه.
يقول ابن رجبٍ رحمه الله:"وأمَّا مُرَاد الرَّاد بذلك: إظهارُ عيب منْ ردَّ عليه، وتنقُّصُه، وتبيين جهلِه وقصوره في العلم ونحو ذلك، كان محرَّمًا؛ سواءٌ كان ردُّه لذلك في وجْه من ردَّ عليه أو في غيبته، وسواءٌ كان في حياته أو بعد موته، وهذا داخلٌ فيما ذمَّه الله - تعالى - في كتابه، وتوعَّد عليه في الهمز واللَّمْز"2.
فالله الله في الكلام بالعلم والعدل فإن"الله يحب الكلام بعلم وعدل، ويكره الكلام بجهل وظلم"3، لكن الكثير من الناس قد همَّشوا مثل هذه الضوابط، ورموا بها عرْض الحائِط؛ فاتَّخذوا طُرُقًا عجيبةً في إصدار الأحكام على منْ خالفهم، غيْر أنَّ وجه الصَّواب فيها لم يُحالِفْهم؛ وما حقيقة حالهم إلا السعي سعْيًا حثِيثًا في إلْصاق كُلِّ تُهمةٍ وباطل، على كلُّ عاقلٍ وفاضل
كناطح صخرة يوما ليوهنها ** فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
وليعلم أن إضاعة واجب العلم والعدل لأمرٌ خطرٌ، يُوجب إعادة النَّظر في الأصول التي نحتكم إليها، والموازين التي نسير عليها، بل لابد - قبل ذلك أصالة - من ترْبيةٍ للنفس تربيةً تُعينها على ضبْط المسائل والحقائق، وحسن التعامل مع الوقائع والدقائق.
قال الإمام ابن القيِّم - رحمه الله -:"وكلٌّ من القلب والبدن محتاجٌ إلى أنْ يتربَّى فينمو ويزيد؛ حتى يكمل ويصلح، فكما أن البدن محتاجٌ إلى أن يزكو بالأغذية المصْلحة له، والحمية عمَّا يضرُّه؛ فلا ينمو إلاَّ بإعطائِه ما ينْفعه، ومنع ما يضرُّه، فكذلك القلب: لا يزكو، ولا ينمو، ولا يتمُّ صلاحه إلا بذلك، ولا سبيل له إلى الوصول إلى ذلك إلا من القرآن؛ وإن وصل إلى شيءٍ منه من غيره، فهو شيءٌ يسيرٌ لا يحْصل له به تمام المقصود"4.
فحري في خصوص ما نتكلم فيه أن تجمع كِنانة الأقلام والمحابر، وأن يفتش عن صيد في بُطون الكتب والدَّفاتر، لإيجاد الفوائد الفرائد، وضبط الضوابط والقواعد، لأنه لا يحرم على صاحب المنهج السَّويِّ أنْ يذود عن حوضه، ويحل لمن خالفه أن يتطاول على الزَّهر في روضه (!) ، والتوفيق من الرب المستوي على عرشه.
فمما هو معلوم عند النجباء أنَّه لا مناص عن الطَّعن في أحدٍ من مُخالفيه؛ إذْ لم يسْلم من ذلك كاملٌ ولا مُقصِّر، ولا مُتقدِّمٌ ولا مُتأخِّر، ولكن هي حال الشَّريف: ما بين مُعدِّلٍ له، وآخر مجرح، والعبْرة عند ذلك بحقيقة الحال، لا بما يسمع من قالاتٍ وأقوال.
فلن يضير ذلك المتكلم فيه بجهل وظلم إذا صحت أصوله؛ وسلمت قواعده، فإن"طوارق الإنسان: من دلائل فضله، ومحنَه من شواهد نُبْله؛ وذلك لأحدى علتين، إمَّا لأن الكمال مُعْوِز، والنقْصَ لازم؛ فإذا تواتر الفضل عليه، صار النَّقصُ فيما سواه. وقد قيل: (من زاد في عقله، نقص من رزقه) ... وإمَّا لأنَّ ذا الفضْل محسود، وبالأذى مقصود، فلا يسْلم في برِّه من مُعادٍ، واشْتطاط مُناوٍ"5، والتسلية عند حلول ذلك بقول أحد الأكياس:"من الذي يسلم من ألسنة الناس"6.
قال أبو العتاهية:
ومن ذا الذي ينجو من الناس سالما ** وللناس قال بالظنون وقيل
قال مُطرِّف بن عبدالله رحمه الله:"قال لي مالك رحمه الله: ما يقول فيَّ الناسُ؟ قلت: أمَّا الصديق فيُثني، وأما العدوُّ فيقع. فقال: ما زال الناس كذلك، ولكن نعوذ بالله من تتابع الألسنة كلِّها"7.
فها هو ابنُ جريرٍ الطَّبريُّ: الَّذي كان يُقال عنه:"من أراد أن يسْمع القرآن كما أُنْزل، فليسمع تفْسير ابن جرير"، فإذا به يُدْفن بليلٍ خوفًا من العامَّة؛ لأنه كان يُتَّهم بالتَّشيُّع.
(يُتْبَعُ)