ـ [أبو شعيب] ــــــــ [25 - May-2008, صباحًا 08:19] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم،
هذا المبحث أصل لما سيأتي بعده إن شاء الله، وكل سابق أصل لما بعده.
حقيقة الحكم إنما هي للكتاب وليس للقاضي، وإنما جُعل القاضي مستنبطًا ومستخلصًا لحكم الكتاب .. والدليل على ذلك ما يلي ..
قال الله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [البقرة: 213]
قال الطبري في تفسيره:
{وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بالحَقّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ} يعني بذلك: ليحكم الكتاب - وهو التوراة - بين الناس فيما اختلف المختلفون، فيه فأضاف جل ثناؤه الحكم إلى الكتاب، وأنه الذي يحكم بين الناس دون النبيين والمرسلين، إذ كان من حكم من النبيين والمرسلين بحكم، إنما يحكم بما دلهم عليه الكتاب الذي أنزل الله - عزّ وجل -، فكان الكتاب بدلالته على ما دل وصفه على صحته من الحكم حاكمًا بين الناس، وإن كان الذي يفصل القضاء بينهم غيره
وكذلك الأمر في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ} [آل عمران: 23]
إذا تبين هذا، علمنا أنه في مسألة تكفير المتحاكم إلى الطاغوت لا ينظر إلى من سيقضي بين المتخاصمين، ولكن بأي شيء سيقضي هذا القاضي.
فمن ذهب إلى طاغوت (كأحد رؤوس الصوفية المشركين) يحكم بالقرآن والسنة في كثير من أمور القضاء، كالنكاح مثلًا، وتحاكم إليه رجل في إحدى هذه الأمور، طالبًا حكم القرآن والسنة، فهذا لا يكفر ونيّته اتباع حكم الله تعالى .. لكنه قد يأثم لاتخاذ هذا الكافر قاضيًا.
والله أعلم ..
وفي ما يلي من مباحث ستتوضح القضية أكثر إن شاء الله تعالى.
ـ [أبو فاطمة الحسني] ــــــــ [25 - May-2008, مساء 01:19] ـ
مهلا أبا شعيب,
المحكوم به لا يمكن أن يحكم مجردا عن طاغوت يحكم به, والله سمى إيمان المتحاكم زعما, وأمر بالكفر بالطاغوت الذي يتحاكم إليه من دونه, ولا نجد في كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم تقييد لذلك بالمحكوم به دون الحاكم
ثم هذا الذي وافق الشرع في بعض أحكامه وافقه مصادفة, فهو فيه حاكم بهواه أو بقانونه وهذه طواغيت, ومجرد الموافقة للشرع بغير انقياد لا أثر لها, حتى يكون القصد هو التحاكم للكتاب والانقياد له
قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله:
"وصار هذا الدين الجديد هو القواعد الأساسية التي يتحاكم إليها المسلمون في أكثر بلاد الإسلام ويحكمون بها سواء منها ما وافق في بعض أحكامه شيئا من أحكام الشريعة وما خالفها. وكله باطل وخروج, لأن ما وافق الشريعة إنما وافقها مصادفة, لا اتباعا لها, ولا طاعة لأمر الله ورسوله. فالموافق والمخالف كلاهما مرتكس في حمأة الضلالة, يقود صاحبه إلى النار. لا يجوز لمسلم أن يخضع له أو يرضى". حكم الجاهلية 34 - 35.
ـ [أبو شعيب] ــــــــ [25 - May-2008, مساء 01:32] ـ
أخي الكريم، بارك الله فيك ..
لعلك لم تع ما قلته ..
فأنا لم أذكر الأحكام الطاغوتية الموافقة لشرع الله ظاهرًا .. بل إنما عنيت أحكامًا مردها الكتاب والسنة، وضربت في ذلك مثلًا وهو القاضي الكافر، الذي يدعي الإسلام، كحال كثير من كفرة أهل البدع ومشركيهم، كالصوفية والجهمية وغيرهم، ولكنه يرد بعض المسائل إلى القرآن والسنة في النزاع، كمسألة النكاح أو الحدود الشرعية، وهو واقع في ناقض أو أكثر من نواقض الإسلام ..
فهو لا يحكم بتشريع آخر، ولا بدستور وضعي، بل يحكم بعين حكم الله.
خذ مثلًا آخر .. رجل درس الأحكام الفقهية، وعيّن قاضيًا شرعيًا في دولة إسلامية، ولكنه لا يصلي ..
قد يأثم من يأتي إليه لفض النزاع، ولكن هل هذا داخل في قوله تعالى: {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} ، وهو يقضي بالناس بشرع الله؟
فالسؤال هنا: هل يكفر من يتحاكم إليه وهو يعلم أنه يحكم بحكم القرآن؟ .. أم أن العبرة ليست فيمن يفصل في القضاء، وإنما بأي حكم يكون هذا الفصل؟
ـ [أبو فاطمة الحسني] ــــــــ [25 - May-2008, مساء 01:55] ـ
والآيات التي ذكرتها نحو قوله تعالى: {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ} لا بد من الجمع بينها وبين آيات أخرى كقوله تعالى {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله}
(يُتْبَعُ)