ـ [سلطان العميري] ــــــــ [12 - Aug-2008, صباحًا 03:28] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين , الرحمن الرحيم , والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين , وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فإن من المسائل التي وقع فيها الخلاف والاختلاف بين كثير من المعاصرين مسألة: حكم المعين الذي يستغيث بالقبور جاهلًا , هل يعذر بجهله أم لا , بحيث يحكم عليه بالكفر الأكبر بمجرد فعله؟ , وقد كثر الخلاف في هذه المسألة وطال , وأخذ كل فريق يستدل على قوله , وينقل النصوص من أقوال العلماء التي يراها تؤيد ما ذهب إليه.
وكان من الأمور الغريبة في هذا الخلاف أن كل فريق ينقل عن ابن تيمية ما يراه مؤيدًا لقوله , ويجعل ابن تيمية ممن يذهب مذهبه , فمنهم من ينقل من كلامه ما يدل على أنه يعذر بالجهل في الاستغاثة بالقبور , ومنهم من ينقل من كلامه ما يراه دليلا على أنه لا يعذر بالجهل في هذه المسألة , بل يحكم بالكفر على كل من استغاث بالقبور , ولا يستثنى إلا حديث العهد بالإسلام أو من كان يعيش في بلد بعيد عن العلم فقط , ومنهم من ينسب إليه أنه لا يكفر أحدًا بالاستغاثة بالقبور أصلا , وينقل من كلامه ما يرى أنه يدل على ما يقول كما فعل ابن جرجيس , وسيأتي نقد كلامه.
ولما كان الأمر كذلك احتاج مذهب ابن تيمية في هذه المسألة إلى تحرير يبين حقيقته ويزيل اللبس عما أحيط به , فكان هذا البحث.
وحتى يتحقق ما رام البحث تحقيقه , وتظهر حقيقة قول ابن تيمية في هذه المسألة , وجهوده فيها , فإنه سيكون مكونًا من تمهيد وثلاث مسائل.
أما التمهيد ففيه بيان حكم الاستغاثة بالقبور من كلام ابن تيمية.
أما المسائل الثلاث فهي:
المسالة الأولى: أقول ابن تيمية التي تدل على أنه يعذر بالجهل في الاستغاثة بالقبور.
المسألة الثانية: أقواله التي فُهم منها عدم الإعذار بالجهل في الاستغاثة بالقبور , ومناقشة دلك.
المسألة الثالثة: نقد ما فهمه ابن جرجيس.
التمهيد
تقرير حكم الاستغاثة بالقبور من كلام ابن تيمية.
لقد أكثر ابن تيمية من تقرير حكم الاستغاثة بالقبور وبيان أنها شرك أكبر مخرج من الملة , بل وحكى على ذلك الإجماع , وكلامه في هذه المسألة واضح جدا لا يحتاج إلى شرح أو بيان , ومن كلامه في ذلك قوله:"ومن الشرك أن يدعو العبد غير الله , كمن يستغيث في المخاوف والأمراض والفاقات بالأموات والغائبين , فيقول: يا سيدي الشيخ فلان , لشيخ ميت أو غائب , فيستغيث به ويستوصيه ويطلب منه ما يطلب من الله من النصر والعافية , فإن هذا من الشرك الذي حرمه الله ورسوله باتفاق المسلمين".
ومن ذلك قوله:"فكل من غلا في حي أو في رجل صالح , كمثل علي رضي الله عنه أو عدي أو نحوه , أو في من يعتقد فيه الصلاح كالحلاج أو الحاكم الذي كان بمصر أو يونس القتي ونحوهم , وجعل فيه نوعا من الإلهية , مثل أن يقول كل رزق لا يرزقنيه الشيخ فلان ما أريده , أو يقول إذا ذبح شاة باسم سيدي أو يعبده بالسجود له أو لغيره , أو يدعوه من دون الله تعالى مثل أن يقول: يا سيدي فلان اغفر لي أو ارحمني , أو انصرني أو ارزقني أو أغثني أو أجرني أو توكلت عليك , أو أنت حسبي أو أنا في حسبك , أو نحو هذه الأقوال والأفعال التي هي من خصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله تعالى , فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل , فإن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب لنعبد الله وحده لا شريك له ولا نجعل مع الله إلها آخر".
ومن كلامه في هذه المسألة قوله:"و أما زيارة قبور الأنبياء و الصالحين لأجل طلب الحاجات منهم أو دعائهم و الإسقام بهم على الله أو ظن أن الدعاء أو الصلاة عند قبورهم أفضل منه في المساجد و البيوت فهذا ضلال و شرك و بدعة باتفاق أئمة المسلمين".
ومن ذلك قوله:"فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار , مثل أن يسألهم غفران الذنب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات , فهو كافر بإجماع المسلمين".
(يُتْبَعُ)