فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وكلام ابن تيمية في هذه المسألة كثير جدًا , وهو صريح في أن حكم الاستغاثة بالقبور شرك أكبر يوجب أن يستتاب فاعله فإن تاب وإلا قتل , وهذا كله يرد على من زعم أن ابن تيمية لا يكفر بالاستغاثة بالقبور أو أنه يراها كفرا أصغر كما زعم ذلك ابن جرجيس وغيره كما سيأتي بيانه.
المسألة الأولى
أقول ابن تيمية التي تدل على أنه يعذر بالجهل في الاستغاثة بالقبور.
عند التأمل في كلام ابن تيمية وفي أصوله الكلية التي بنى عليها أقواله , وفي تعامله مع المخالفين له في أصول الدين لا يجد المرء شكًا في أن ابن تيمية يعذر بالجهل في مسألة الاستغاثة بالقبور , فالرجل الذي يستغيث بالقبر ويسأل منه الحاجات وجلب النفع ودفع الضر وتنفيس الكربات لا يُحكم عليه بالكفر عند ابن تيمية إلا إذا كان عالمًا , أما إذا فعل ما فعل وهو جاهل بحكم فعله هذا , فإنه لا يكفر حتى تقام عليه الحجة التي يرتفع بمثلها وصف الجهل , فيبقى له حكم الإسلام حتى يُتحقق من حاله ووضعه , ولا فرق في ذلك عنده بين من كان حديث عهد بكفر أو أنه نشأ على الإسلام مند نعومة أظفاره , فالمعتبر عنده هو تحقق وصف الجهالة , فكل من تحقق فيه وصف الجهالة حين استغاث بالقبر فإنه لا يكفر حتى يرتفع عنه هذا الوصف المانع من تكفيره.
وهذا الوصف - الجهل بحكم الاستغاثة بالقبر - عند ابن تيمية يمكن أن يقوم بكل مسلم ضعيف العلم بدينه , فمناط قيام هذا الوصف بالمعين هو حصول العلم أو عدمه , وليس كونه مسلما يعيش في ديار المسلمين أو أنه حديث عهد بكفر كما قرره بعض الناظرين في كلام ابن تيمية.
وهذا التقرير تدل عليه نصوص كثيرة من كلامه رحمه الله تعالى وبطرق متعددة , وهي:
الطريق الأول: تنصيصه على أن من استغاث بالقبور جاهلا لا يكفر , فقد نص في مواطن كثيرة على هذا الحكم , ومن تلك المواطن:
الموطن الأول: أنه سئل عمن استغاث بالقبر , فقرر أنه إذا كان جاهلا لا يكفر , وفي ما يلي نص السؤال والجواب"ما تقول السادة العلماء أئمة الدين - رضي الله عنهم أجمعين - في قوم يعظمون المشايخ , بكون أنهم يستغيثون بهم في الشدائد , ويتضرعون إليهم , ويزورون قبورهم ويقبلونها وتبركون بترابها , ويوقدون المصابيح طول الليل , ويتخذون لها مواسم يقدمون عليها من البعد يسمونها ليلة المحيا , فيجعلونها كالعيد عندهم , وينذرون لها النذور , ويصلون عندها."
فهل يحل لهؤلاء القوم هذا الفعل أم يحرم عليهم أم يكره؟ , وهل يجوز للمشايخ تقريرهم على ذلك أم يجب عليهم منعهم من ذلك وزجرهم عنه؟ , وما يجب على المشايخ من تعليم المريدين , وما يوصَون به؟ , وهل يجوز تقريرهم على أخذ الحيات والنار وغير ذلك أم لا؟ , وماذا يجب على أئمة مساجد يحضرون سماعهم ويوافقونه هذه الأشياء؟ , وما يجب على ولي الأمر في أمرهم هذا؟ , أفتونا مأجورين"."
فهذا السؤال بنصه وجه إلى ابن تيمية رحمه الله , وهو سؤال مهم في مسألة الاستغاثة؛ لأنه سئل عن نفس الأفعال التي يفعلها القبوريون في زمننا المتأخر , من تلك الأفعال الاستغاثة القبور ودعائها عند الشدائد كما في نص السؤال.
وقد أجاب ابن تيمية بجواب طويل قال فيه:"الحمد لله رب العالمين , من استغاث بميت أو غائب من البشر بحيث يدعوه في الشدائد والكربات , ويطاب منه قضاء الحوائج , فيقول: يا سيدي الشيخ فلان أنا في حسبك وجوارك , أو يقول عند هجوم العدو: يا سيدي فلان يستوحيه ويستغيث به , أو يقول ذلك عند مرضه وفقره وغير ذلك من حاجاته: فإن هذا ضال جاهل مشرك عاص لله تعالى باتفاق المسلمين , فإنهم متفقون على أن الميت لا يدعى ولا يطاب منه شيء , سواء كان نبيا أو شيخا أو غير ذلك".
فقرر هنا حكم الاستغاثة بالقبور وبين أنها شرك أكبر , ثم أخذ ابن تيمية يذكر الأحوال التي يجوز فيها السؤال من المخلوق والأحوال التي لا يجوز فيها توجيه السؤال إليه , ثم بين أحكام زيارة القبور وبين أنواعها , وبين بعض البدع التي تفعل عند القبور.
(يُتْبَعُ)