فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ثم بين حقيقة الشرك الذي كان مشركوا العرب يفعلونه عند قبورهم , وأنه إنما كان باستغاثتهم وجعلهم وسائل بينهم وبين الله تعالى , فلما قرر ذلك قال:"وهذا الشرك إذا قامت على الإنسان الحجة فيه ولم ينته , وجب قتله كقتل أمثاله من المشركين , ولم يدفن في مقابر المسلمين , ولم يصل عليه , وأما إذا كان جاهلا لم يبلغه العلم , ولم يعرف حقيقة الشرك الذي قاتل عليه النبي صلى الله عليه وسلم المشركين , فإنه لا يحكم بكفره , ولا سيما وقد كثير هذا الشرك في المنتسبين إلى الإسلام , ومن اعتقد مثل هذا قربة وطاعة فإنه ضال باتفاق المسلمين , وهو بعد قيام الحجة كافر".
فهذه الفتوى مهمة جدًا في بيان حقيقة رأي ابن تيمية في حكم المستغيثين بالقبور وذلك لأمور:
1 -أنها فتوى جاءت على سؤال مخصوص وجه إليه في المسألة عينها , فهي ليست في معرض كلام عام له أو غير ذلك , وإنما قيلت في جواب عن سؤال يريد صاحبه منه أن يَعرف حقيقة الحكم في هؤلاء المستغيثين , وفتوى بهذه الحالة لا بد أن تكون من أوضح ما يبين حقيقة قول المجيب , فكيف يحق لنا أن نترك هذه الكلام الصريح ونذهب إلى غيره؟!.
2 -أنها فتوى مفصلة في حكم المستغيثين , وفيها تفريق ظاهر بين حالة الجاهل وغير الجاهل.
3 -أن السؤال كان عن حال قوم من المستغيثين من المسلمين الذين يعيشون في بلد يوجد فيه مشايخ وعلماء يفتونهم في مسائل الدين , فليست متعلقة بحديث العهد بالإسلام أو بمن كان يعيش في مكان بعيد عن حاضرة المسلمين , بل هي عامة في كل ما يمكن أن يتصور منه الجهل ولو كان في بلد يوجد فيه مشايخ , وهذا التقرير له أهمية بالغة في تحرير رأي ابن تيمية كما سيأتي.
الموطن الثاني: ومن المواطن التي نص فيها ابن تيمية على الإعذار بالجهل في مسألة الاستغاثة قوله في معرض رده على البكري , فقد قال:"فإن بعد معرفة ما جاء به الرسول نعلم بالضرورة أنه لم يشرع لأمته أن تدعو أحدا من الأموات لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم , لا بلفظ الاستغاثة ولا يغيرها , ولا بلفظ الاستعاذة ولا يغيرها , كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا لغير ميت , ونحو ذلك , بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور , وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله , لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مما يخالفه؛ ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل الإسلام إلا تفطن وقال هذا أصل دين الإسلام"
فهذا الكلام من ابن تيمية فيه أن الاستغاثة بالقبور كفر أكبر , ولكن لا يحكم على كل من استغاث بها بالكفر حتى تقوم عليه الحجة , وقرر أن هذا الإعذار يكون لكل من لم يبلغه العلم ولو لم يكن حديث حديث بالكفر كما يدل عليه نص كلامه السابق.
الموطن الثالث: قوله حين سئل عن حكم الاستغاثة بالرسول فبين أن من استغاث به فيما لا يقدر عليه إلا الله لا يكفر حتى تقوم عليه الحجة , فقد سأله السائل فقال:"ما تقول السادة العلماء أئمة الدين وفقهم الله لطاعته فيمن يقول: لا يستغاث برسول الله صلى الله عليه وسلم هل يحرم عليه هذا القول وهل هو كفر أم لا؟ , وإن استدل بآيات من كتاب الله وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم هل ينفعه دليله أم لا؟ , وإذا قام الدليل من الكتاب والسنة فما يجب على من يخالف ذلك؟ , أفتونا مأجورين"فأجاب بجواب طويل بين في أوله ثبوت شفاعته صلى الله عليه وسلم يوم القيامة , وفصل القول في ذلك , ثم بين بعض أنواع الاستغاثة الجائزة , ثم قال:"والاستغاثة بمعنى أن يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيها مسلم , ومن نازع في هذا المعنى فهو إما كافر إن أنكر ما يكفر به , وإما مخطئ ضال."
وأما بالمعنى الذي نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أيضا مما يجب نفيها , ومن أثبت لغير الله ما لا يكون إلا لله فهو أيضا كافر إذا قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها""
(يُتْبَعُ)