ـ [أبوعبدالملك النصري] ــــــــ [05 - Oct-2010, مساء 09:12] ـ
أول واجب على العباد والرد على من قال: إنه النظر
أول واجب أوجبه الله على عباده هو توحيد العبادة؛ قال الله تبارك وتعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: 56) ، وإذا كان هو الغاية من خلق العبد كان أول ما يجب عليه هو إلاتيان به، ولهذا كان كل رسول من رسل الله يبتدأ دعوته بقوله: (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) ، وعن ابْنَ عَبَّاسٍ قال: لَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى نَحْوِ أَهْلِ الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى، فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا صَلَّوْا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ، فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ. (متفق عليه واللفظ للبخاري) ، وفي رواية: فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله عز وجل، وفي رواية: شهادة أن لا إله إلا الله، وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله. (متفق عليه واللفظ لمسلم) .
وعلى هذا اتفق السلف إلى أن أطلت على المسلمين بدع أهل الكلام، فخالفوا ما دل عليها الكتاب والسنة من أن أول واجب على العباد توحيد العبادة والنطق بالشهادة، واختلفت عباراتهم فيه؛ فقال كثير منهم: إنه النظر، وقال بعضهم: القصد إلى النظر وقال آخرون: معرفة الله، وكلها تتفق على أن الغاية معرفة الله.
والنظر يعنون به النظر في العالَم بقصد إثبات وجود الله.
وأشهر دليل عقلي يعتمدونه فيه هو: دليل الحدوث.
وجملة صفته عند أهله: الاستدلال على وجود الله بإثبات حدوث العالم بوقوع التغير فيه؛ فله ثلاث مقدمات:
-العالم متغير.
-كل متغير حادث.
-كل حادث لا بد له من محدِث.
النتيجة: العالم له محدث وهو الله تعالى، وتفاصيله في كتب القوم عسيرة الفهم طويلة الذيل بلا فائدة؛ لم أذكر إلا معتصر مختصرها.
وبطلان هذه الطريقة يظهر بأربعة وجوه:
الأول: أن هذا الدليل بدعة في الدين لم يدع إليه النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه ولا التابعون ولم يعلموه الذين دخلوا في دين الله وهم أفواج من الناس عامتهم من الأعاجم، ثم هو مخالف للطريقة الشرعية التي فيها أن الآية دالة بنفسها على محدِثها رب العالمين، ومخالف للفطرة التي تنسب الآية إلى محدِثها مباشرة.
وقد حاول المتكلمون أن يبحثوا عن مستند شرعي لدليل الحدوث هذا كعادتهم في الاعتقاد قبل الاستدلال؛ فتمسكوا بقصة ابراهيم عليه السلام حين استند إلى أفول الكواكب في إبطال إلهيتها.
قالوا: الأفول الحركة، والحركة وهي عرض حادث تقتضي التغير؛ فيلزم أن كل متغير محدث، وهذا أصل دليل الحدوث.
وهذا الاستدلال مبني على مقدمتين خاطئتين؛
أولاهما: أن ابراهيم عليه السلام كان يقصد بمناظرته إثبات وجود الله، وهذا باطل؛ لأن قوم ابراهيم كانوا مقرين بوجود الله وأنه الخالق المدبر كما حكى تعالى قول ابراهيم عليه السلام لقومه: (قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين) ، وسياق المناظرة في سورة الأنعام يدل على أنها في إثبات تفرد الله في الإلهية وإبطال الشرك في العبادة لا في إثبات وجوده سبحانه ولهذا قال في ختامها: (إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين) ، ووجه دلالة أفول الكواكب على انتفاء أحقيتها للعبادة أنه مستمر منتظم كل يوم؛ فلا بد أنها مسخرة مربوبة لا تملك لنفسها شيئًا؛ فكيف تكون إلهًا حقًا؟!.
(يُتْبَعُ)