ـ [سعد بن عبدالله الحميد] ــــــــ [18 - Feb-2007, صباحًا 07:45] ـ
فقد ورد للموقع سؤال عن حكم من سبَّ الصحابة رضي الله عنهم، وكان جوابه ماوقفت عليه من تفصيل استحسنته لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله سأورده نشرًا للفائدة، نفعنا الله بما علمنا.
السؤال:
ما حكم سب الصحابة؟
وهل يجوز تكفير من يسبهم، مع العلم أنهم يكفِّرون أهل السنة والجماعة، فلو كان الجواب بـ"نعم"، فلماذا لا نصرح بكفرهم؟
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فمسألة سبِّ الصحابة رضي الله تعالى عنهم من المسائل التي فيها تفصيل طويل؛ لأن السَّابَّ قد يسبُّ واحدًا بعينه بسبب خصومة دنيوية بينهما - وهذا في عصره كما هو ظاهر - وقد يسبُّ عددًا من الصحابة بسبب أنه لُبِّس عليه بأنهم ارتدُّوا، أو عملوا أعمالًا يتعاظمها، وقد يسبُّهم لأنهم هم الذين نصروا هذا الدين الذي يتظاهر بالانتساب إليه، وهو في باطنه ليس كذلك، وهكذا.
ومِنْ أحسن مَنْ فصَّل في هذه القضيَّة، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في آخر كتابه"الصارم المسلول على شاتم الرسول" (3/ 1055 - 1113) ؛ حيث قال: (( فأما من سب أحدًا من أصحاب رسول الله(ص) -من أهل بيته وغيرهم-: فقد أطلق الإمام أحمد أنه يُضْرَب ضربًا نكالًا، وتَوَقَّفَ عن كفره وقتله.
قال أبو طالب:"سألت أحمد عمَّن شتم أصحاب النبي (ص) ؟ قال:"القتل أَجْبُنُ عنه، ولكن أضربه ضربًا نكالًا"."
وقال عبد الله:"سألت أبي عمن شتم رجلًا من أصحاب النبي (ص) ؟ قال:"أرى أن يُضْرب، قلت له: حَدًّا؟ فلم يقف على الحدِّ؛ إلا أنه قال: يُضرب، وقال: ما أراه على الإسلام"."
وقال في الرسالة التي رواها أبو العباس أحمد بن يعقوب الإصطخري وغيره:"وخير الأمة بعد النبي (ص) : أبو بكر، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان بعد عمر، وعلي بعد عثمان، ووقف قوم على عثمان، وهم خلفاء راشدون مهديون، ثم أصحاب رسول الله (ص) بعد هؤلاء الأربعة خير الناس، لا يجوز لأحد أن يذكر شيئًا من مساويهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا نقص، فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب قُبِلَ منه، وإن ثبت أعاد عليه العقوبة، وخلَّده الحبس حتى يموت أو يراجع".
وحكى الإمام أحمد هذا عمَّن أدركه من أهل العلم، وحكاه الكِرْمَاني عنه، وعن إسحاق، والحُمَيْدي، وسعيد بن منصور، وغيرهم.
وقال الميموني: سمعت أحمد يقول:"ما لهم ولمعاوية؟! نسأل الله العافية". وقال لي:"يا أبا الحسن، إذا رأيت أحدًا يذكر أصحاب رسول الله (ص) بسوء، فاتَّهِمْهُ على الإسلام".
فقد نصَّ رضي الله عنه على"وجوب تعزيره بالجلد، واستتابته حتى يرجع، وإن لم يَنْتَهِ، حُبس حتى يموت أو يراجع"، وقال:"ما أراه على الإسلام، وأَتَّهِمُهُ على الإسلام"، وقال"أَجْبُنُ عن قتله".
وقال إسحاق بن راهَوَيه:"من شتم أصحاب النبي (ص) يعاقب ويحبس"، وهذا قول كثير من أصحابنا، منهم: ابن أبي موسى، قال:"ومن سب السلف من الروافض فليس بكفء ولا يزوج، ومن رمى عائشة رضي الله عنها بما برَّأها الله منه، فقد مَرَقَ من الدين، ولم ينعقد له نكاحٌ على مسلمة؛ إلا أن يتوب ويُظهِر توبتَه".
وهذا في الجملة قول عمر بن عبد العزيز، وعاصم الأحول، وغيرهما من التابعين.
قال الحارث بن عتبة:"إن عمر بن عبد العزيز أُتي برجل سبَّ عثمان، فقال: ما حملك على أن سببته؟ قال: أُبْغِضُه، قال: وإن أبغضت رجلًا سببته؟! قال: فأمر به فجُلد ثلاثين سوطًا".
وقال إبراهيم بن ميسرة:"ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب إنسانًا قط، إلا إنسانًا شتم معاوية، فضربه أسواطًا"؛ رواهما اللالكائي.
وقد تقدم أنه كتب في رجل سَبَّه:"لا يُقتل إلا من سب النبي (ص) ولكن اجلده فوق رأسه أسواطًا، ولولا أني رجوت أن ذلك خيرٌ له لم أفعل".
وروى الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا عاصم الأحول، قال:"أُتيت برجل قد سب عثمان، قال: فضربته عشرة أسواط، قال: ثم عاد لِما قال، فضربته عشرة أُخرى، قال: فلم يزل يسبُّه حتى ضربته سبعين سوطًا".
(يُتْبَعُ)