فهرس الكتاب

الصفحة 5543 من 28557

ـ [الشيخ ياسين الأسطل] ــــــــ [13 - Feb-2008, مساء 05:46] ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

فلسطين والفلسطينيون

والاندفاع إلى سيناء

في غضون ما رأيناه من تدفق الأمواج البشرية الفلسطينية الولهانة والمولًّهة، الهائجة أو المهيجة، والمندفعة أو المدفوعة، دون تبصر أو استبصار للعواقب التي يمكن أن تترتب على هذا الارتباك والإرباك للوضع الفلسطيني وبكل جوانبه في داخل فلسطين وخارجها، بالإضافة إلى الحالة البائسة واليائسة التي عليها الفلسطينيون وقضيتهم أصلًا، والتي أوقعنا نحن الفلسطينيين فيها الخطأ والخطيئة مع سوء التقدير غالبًا، وسوء النوايا في بعض الأحوال، ولا زلنا ولازال كثير منا ينظرون إلى الفكاك من براثن الهموم والبلايا ولكن بعين واحدة لا بالعينين كلتيهما، ويستمعون ويسمعون بأذن واحدة لا بالأذنين كلتيهما، ويشمون بنصف أنفهم، ويتكلمون في آنٍ واحدٍ ولكن بألسنة مختلفة لا بلسان واحد كما يتكلم سائر البشر، فلا يرون ولا يسمعون أو يستمعون ولا يشمون إلا لأنفسهم وبأنفسهم وحدهم جاهلين ومتجاهلين إخوانهم الذين لعلهم يكونون قد سبقوهم إلى الفضائل والعمل الجاد لتحرير البلاد وتطهير العباد فهم إن لم يكونوا خيرًا منهم بسبقهم فلا يقلون عنهم فيها، فيوجب ذلك عدوانًا واعتداءً، واختلافًا وتنازعًا وشرًا، وبعدًا عن طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، في حين أن العدو لا يكتفي بعينيه ولا بأذنيه بل يصطنع له الأعين والآذان اصطناعًا في البر والبحر والجو، ومع ذلك فهو يتكلم بلسانٍ واحدٍ، ويرمينا عن قوسٍ واحدةٍ، والله تعالى يقول:

(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(46 ) ) الأنفال

أقول: بدعاوى كسر الحصار والمرض والجوع والحاجة من جانب هؤلاء التعساء البائسين من الفلسطينيين المنحصرين من أنفسهم والمحاصرين من عدوهم اندفعوا ودُفِعُوا دفعًا إلى أرض سيناء من مصر والتي كانت صحراء التيه أربعين عامًا لبني إسرائيل عقوبةً لهم على معصيتهم نبيهم موسى عليه السلام، إلا أنهم كانوا يشربون المن، و يأكلون السلوى، فلم يطب لهم هذا الطعام المبارك، فسألوا نبيهم عليه الصلاة والسلام أن يدعو الله ليخرج لهم مما تنبت الأرض من البقل والفوم والعدس والبصل .. إلى آخر قصتهم التي ذكرها الله في كتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم في السنة؛ وقد تساءلت حينها هل التاريخ يعيدنا إلى ذلك المصير لنبدأ رحلة التيه من باب اتباع سنن من كان قبلنا على ما أخبرنا النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، في حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى قَالَ فَمَنْ"رواه البخاري."

لكنَّ مصر وهي البلاد العزيزة بالله ثم بأهلها وتاريخها وأخلاقها وحكمتها وتعقلها وفهم أهل السياسة والإدارة فيها لما جرى من قبل ويجري الآن، والذي بدا واضحًا قولًا وعملًا في حسن الاستقبال رغم وقوع الإساءة، وتجرع الغصص رغم القدرة على دفع من يظن أن سيف المنايا ناطه الله بيديه، فأنتم لنا ونحن لكم يا أهل مصر جوزيتم من الله خيرا، أقول لكن مصر تداركت هؤلاء الدافعين والمندفعين واستوعبت مشاعرهم حتى هدأت نفوسهم، واطمأنت خواطرهم، وأشبعت بطونًا منهم ألهبها حريق الحرمان، وملأت عيونًا متطلعةً أخذها بريق ما يضرها لا ما يسرها، وهاهي مصر تحاول جمع الكلمة المتفرقة، والصف المتمزق، وإناطة الأمر بأهله، بعيدًا عن الطنين والرنين، والانتفاش الذي يودي صاحبه المنتفش حتى ينكمش.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت