فهرس الكتاب

الصفحة 22100 من 28557

دروس وعبر من هجرة سيّد البشر صلّى الله عليه وسلّم لحامد بن عبدالله العلي

ـ [ابو البراء الغزي] ــــــــ [21 - Dec-2009, مساء 02:00] ـ

دروس وعبر

من هجرة سيّد البشر صلّى الله عليه وسلّم

حامد بن عبدالله العلي

الحمدلله ... في الهجرة النبوية دروس عظيمة، يتعذّر إحصاؤها، وذلك أنها كانت معركة الإسلام التي سبقت معركة بدر العظمى، إذ كانت بين جيشين، جيش الكفار من قريش، وجيش محمد عليه الصلاة والسلام، وأمّته.

ذلك أنَّ الصديق الأكبر رضي الله عنه كان هو كلُّ أمّة الإسلام، فهو الذي إذا وُزن بالأمّة رجَح بها كما صح في الحديث، ولهذا إختاره صلّى الله عليه وسلم للهجرة، ليكتمل فيها، وبهما، تمثُّل أوّل معارك الإسلام، ولهذا قام أبوبكر الصديق رضي الله عنه بكلّ ما تقوم به الأمّة في معركة الهجرة، فأدى عنها كلَّ واجباتها، وكان أحقَّ بذلك، وأهل لذلك، رضي الله عنه، وأرضاه، وجزاه عن أمّتنا ما يجزي صدّيق عن أمّته.

ألم تروْا كيف وصف الله تعالى الهجرة بأنها معركة الإسلام، التي نصر الله فيها نبيَّه وصاحبه، فقال الحق سبحانه: (إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) .

فقد ذكر الله تعالى في هذه الآيات، جميع مفردات المعركة بين الحقّ والباطل: النصر، بعد الإخراج، والمواجهة، وإنزال السكينة، والتأييد بالجنود، ورفع كلمة الله لتكون العليا، وإسفال كلمة أعدائه لتصير السفلى، وهذه كلُّها ألفاظ القرآن في وصف معارك الإسلام

وفي هذه الآيات يبيّن الله تعالى أنّ الدينَ منصورٌ لامحالة، وأنّ الله تعالى يستعمل في نصر دينه من يشاء، حتى لو كان رجلًا واحدًا عن أمّة، فالله تعالى على كلِّ شيء قدير، كما جعل إبراهيم عليه السلام أمة وحده، ونصر به الإسلام، ومن عظيم فقه السلف قولهم: (الجماعة هي الحق ولو كنت وحدك) .

والهجرة سنّة النبيين، كتبها الله على المرسلين من رب العالمين، وقد كان مهاجرهم إلى بيت المقدس، غير نبيّنا صلى الله عليه وسلم، فجعل الله مهاجره إلى طيبة، ولهذا أسري به ليلة المعراج إلى بيت المقدس، لتكتمل له الفضائل بالهجرة إليه أيضا، وليجمع الله له المساجد الثلاثة في حياته، ويكرم أمَّته من بعده بذلك أيضا، فتصير هذه المساجد المعظَّمة، وهي أعظم بقاع الأرض بركةً، تصير تحت ولاية خير الأمم، ولهذا فستبقى هذه الأمّة متأخّره عن الإمامة العظمى للأمم، حتى تستعيد المسجد الأقصى، الذي سلبه منها، كفرة أهل الكتاب من الصليبين، والصهاينة.

وفي الهجرة عبرٌ كثيرةٌ جدًا:

منها أنَّه لا إيمان مع تقديم أيِّ شيء على العقيدة، وقد امتحن الله تعالى إيمان المسلمين الأوائل بالهجرة، فقدموا عقيدتهم على الأوطان، والعشيرة، و المال، وكلِّ محبوبات الدنيا، وأهواء النفوس، فهاجروا إلى الله تعالى، لينصروا دينه، وليُعلوا كلمته، تاركين كلَّ ما سوى ذلك وراء ظهورهم.

فلما فعلوا ذلك، وعلم الله ما في قلوبهم من تقديم مراده على مراداتهم، ودينه على جميع أهوائهم، ملَّكهم الدنيا بأسرها، وألقى إليهم بسواريْ كسرى، وكنوز قيصر، ونواصي جبابرة الأرض، على قاعدة: من ترك شيئا لله عوّضه الله خيرًا مما ترك، وكذلك هذه الأمّة إذا تمسكت بعقيدتها، وقدّمتها على كلّ ما سواها، ورفعت شريعة الله تعالى، وأعلت كلمتها، نصرها الله، ورفعها، وأعزّها.

وأما إذا أخلدت إلى الأرض، ورضيت لنفسها أن تتقزَّم بأوهام الشعارات الجاهلية، من وطنيّة، وقوميّة، وحزبيّه، وحدود إستعمارية، فسوف يُسلب منها عزُّها، كما هو حالها هذه الأيام، حتى ترجع إلى دينها فيرفعها الله به.

ومنها أنه لا يحدث تغيير في حياة الأمم، إلاّ بالبذل، والتضحيات العظيمة.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت