فهرس الكتاب

الصفحة 3670 من 28557

ـ [الجبل الشامخ] ــــــــ [27 - Sep-2007, صباحًا 08:38] ـ

حين قدم ـ صلى الله عليه وسلم ـ المدينة وجد للناس يومين يلعبون فيهما فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر".

كنت سودتُ مقالةً أثناء الفوضى والمرج الذي صاحب احتفالات (اليوم الوطني) قُبَيل شهر رمضان المبارك، غير أنه لم يكتب لي نشرها آنذاك. ثم جاء عيد (الفطر) ليهلَّ علينا بأفراحه، وليثير في النفس ساكنها، ويجدد العزم على تبييض مقالتي بعدما كدت أنساها.

كتبت متسائلًا عن حقيقة الوطنية، وما المقصود من الإلحاح عليها وكثرة الحديث عنها هذه الأيام؟

وما الحكمة من تعظيم (اليوم الوطني) وتفخيمه؟

أمِِنْ أجل تربية الناس على حبِّ أوطانهم والولاء لها كما يقال؟

وهل حبُّ الوطن معلومةٌ يتلقنها الناس وسلوك يتربون عليه؟ أو أنه خلقٌ فطري يجبل عليه بنو آدم؟

ثم ما المقصود بالوطن؟ أهو الأرض ذات الحدود السياسية؟ أو هو الناس الساكنون داخل هذه الحدود؟ أو هو السلطة التي تحكم أولئك الناس؟

أو أن الوطن عبارةٌ عن مجموع ذلك كله؟

لكن ماذا لو تعارضت مصالح هذه الجهات الثلاث؟

ماذا لو تعارضت (مصلحة الأرض) مع (مصلحة الناس) الساكنين فوقها، فأين تكمن الوطنية الحقة؟ هل نضحي بدماء الناس من أجل الحفاظ على الأرض؟ أو نضحى بالأرض من أجل المحافظة على حياة (المواطنين) ؟

و لو تعارضت (مصلحة الناس) مع (مصلحة السلطة) الحاكمة، فمع أيِّ الفريقين تقع الوطنية الصادقة؟ وأين يقف الخائن لوطنه في هذه القسمة التي يبتلى بها الناس في كثيرٍ من بلاد الله؟

تساؤلات مشروعة لا بدَّ لمبشري الوطنية أن يجيبوا عنها؟

أحبتي الأفاضل!

حبُّ الأوطان طبعٌ جبليٌّ فطريٌّ مغروسٌ في النفوس. وقد جُبلت عليه البهائم العجماء، فكيف بابن آدم الذي يعقل ويفكر. وقد قرنَ الله الإخراج من الديار بقتل الأنفس حين قال ـ جل ذكره ـ: (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم، أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليلٌ منهم) .

ولشدة مفارقة الديار على النفس رتب الله الثوابَ العظيم للمهاجرين في سبيله الذين فارقوا أوطانهم وأوطان أهليهم استجابةً لله ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ. وللسبب نفسه جعل الله من عقوبة الزاني ـ بعد جلده ـ التغريبَ والإبعادَ عن موطنه.

ولأن محبة الأوطان أمرٌ فطري جبلي، فإن من العجيب أن يحتاج أبناء بلدٍ ما لأن يُذكروا بحبِّ وطنهم عن طريق منهج دراسي يحفظونه، أو عن طريق احتفالات رسمية و مظاهر جوفاء يجبرون على المشاركة فيها!

قبل بضع سنوات قرَّر وزير التربية والتعليم الأسبق تدريس مقرر جديد بعنوان"التربية الوطنية". ولعدم قناعة الطلاب و المدرسين بهذا المقرَّر، فقد تحول إلى ما يشبه"الزائدة الدودية"داخل مناهج التعليم التي تعاني ـ أصلًا ـ من التخمة.

وقبل عام مضى أعلن مدير عام التربية و التعليم عن إجراءات مشددة وعقوبات تفرض على مدراء المدارس التي لا تلزم طلابها بآداء تحية العلم صباحَ كلِّ يوم!! وأكد مدير التربية والتعليم أن مشرفين تربويين سيقومون بمتابعة الأمر، إضافة لأعضاء من هيئة الرقابة والتحقيق!!

وبدايةً من العام المنصرم أعلنت الجهات الرسمية لدينا (( فرض ) )إجازة رسمية على الجميع. ليس على القطاعات الحكومية فحسب، بل حتى على القطاعات الأهلية. وأصبح أصحاب الورش والمصانع ممنوعين من التكسُّب وطلب الرزق في (( يوم الوطن ) ). ومن يتجرأ على طلب رزقه ذلك اليوم فسوف تفرض عليه الرسوم والغرامات!!

كل هذا يجري من أجل ترسيخ"حب الوطن"في القلوب!

فأي وطنٍ هذا الذي يحتاج أبناؤه لكل هذه الإجراءات لتغرس محبته في قلوبهم؟!!

تلفتُّ حولي لأرى إن كانت مثل هذه المظاهر تبني ولاءً أو تؤسِّس انتماءً، فرأيت دولًا حولنا سبقتنا فوضعت لنفسها يومًا وطنيًا تعظمه وتحتفل به. وكما هو الحال عندنا الآن، تعمدُ تلك الدول عبر مؤسساتها إلى ضخِّ برامج إعلامية وتقرير مناهج دراسية تحاول من خلالها تعظيم شأن هذا اليوم في قلوب الناس.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت