فهرس الكتاب

الصفحة 3671 من 28557

وبالفعل تنجح تلك الدول في برمجة عقول أبنائها، أو لنقُل: تنجح في تجميد عقول مواطنيها، فتسوقهم سوقًا إلى المشاركة فيما يسمونه احتفالات (( يوم الوطن ) )أو (( يوم الثورة ) ).

ثم تمضي الأيام، ويثور ثائرٌ على تلك الدولة فيسقطها ويمحو أثرها، و يمحو معها يومها الوطني. ثم تبدأ وسائل إعلام الدولة الجديدة ومناهج تعليمها في إعادة برمجة العقول، من خلال الترويج ليوم وطني جديد. ثم ما نلبث أن نرى الناس أنفسهم يحتفلون باليوم الجديد، وهو نفسه اليوم الموافق لذكرى سقوط دولتهم التي كانوا من قبلُ يحتفلون بيوم تأسيسها!!

ولو ذهبت الدولة الثانية وخلفتها دولة ثالثة، فسوف تتكرر الصورة نفسها، وسوف تعاد برمجة العقول من جديد، كي تحتفل القطعان من الناس بيوم سقوط الدولة التي احتفلوا من قبل بيوم تأسيسها!!

تأملت هذه الصورة، فعلمت أن"وطنية"المظاهر ما هي إلا مشاريع لإنتاج دواجن مجمدة العقول.

وقد كانت بلادنا بعيدةً عن ذلك كله. وكان الناس يحبونها حبًا جمًا لسبب أكبر من مجرد كونها وطنًا لهم. بل يحبونها لكونها بلاد الحرمين ولأنها أقرب بلاد الله لشرع الله. وبرفعها شعار الدين كسبت ولاء ومحبة أبنائها، بل وأبناء المسلمين في كل شتى أقطار الأرض. فكانت ـ بحمد الله ـ غنيةً عن مقرر التربية الوطنية، وعن الأعياد المحدثة.

لكن بعد غزو نظام صدام لدولة الكويت وما تبع ذلك الحدث من تداعيات أثرت على تماسك الوضع الداخلي بالمملكة، تنادى بعض الكتبة إلى طرح المقترحات من أجل تلافي تكرار المشكلة. وكان من أهم طروحات بعضهم ضرورة تنمية (الحس الوطني) لدى الناس. فكان مقرر (التربية الوطنية) ثمرةً لذلك التفكير الغريب.

وبعد أحداث التفجير والقتل الأخيرة تكررت القصة نفسها، فكثر الحديث عن الوطنية، وعن ضرورة ترسيخ الولاء الوطني في نفوس الناشئة. وكان من ثمار ذلك إجازة رسمية، وتحويل اليوم الوطني إلى (( عيد ) )ثالث مخترع، حتى وإن تمَّ تحاشي لفظة (( العيد ) )على المستوى الرسمي.

بالنسبة لي فإني أجد مثل هذه المقترحات تبلغ الغاية في السذاجة و السطحية، فضلًا عن مخالفتها للشرع القويم. ذلك لأن الذي يملأ جسده وسيارته بالمتفجرات ويعمد إلى إزهاق نفسه وتقطيعها إربًا، إنما يفعل ذلك لأن حب بلده قد بلغ عنده مبلغًا عظيمًا، بحيث ضحى بنفسه لما آمن أن هذا هو الطريق المتعين لتطهير بلده من العدو. هكذا يفكر أولئك الشباب، فالمشكلة هنا ليست مشكلة حب أو كره للوطن، وإنما هي مسألة دينٍ وقناعة. ولعل الواحد من هؤلاء يحمل في قلبه من حب بلده أضعاف ما يحمله الكثير من الكتبة المتشدقين بالوطنية، لكنه سلك طريقًا خاطئًا لما حمل قناعةً خاطئة.

وإذا كانت الأمر كذلك، فمن السذاجة أن يتصور أحدٌ أن طريق العلاج يكون عبر الاحتفالات ومشاريع دواجن (الوطنية) . بل إن مثل هذه المظاهر المخالفة للشرع سوف تعطي نتيجة عكسية. وبخاصة أن تحريم مثل هذه الاحتفالات رأي علماء البلد المعروفين، وقد تتابع عليه ثلاثة من المفتين المعتمدين للدولة، بدءًا من الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ثم الشيخ عبدالعزيز بن باز ـ رحمهما الله ـ، ثم الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ المفتي الحالي. فكل هؤلاء يرون هذه الاحتفالات بدعةً مخالفةً للشرع. وبالتالي فإن الإصرار عليها ـ رغم عدم فائدته ـ سوف يضيف مبررًا آخر للحديث عن عدم جدية التزامنا بشرع الله.

كل دولة تبحث عن سبب لبقائها ومشروعيتها، وتسعى لرفع مبدأ يجمِّع الناس حولها. وإذا لم تجد بعض الدول مبدأً تجمع الناس عليه، فإنها تعمد إلى اختراع وترديد مبادئ وشعارات كاذبة، أو ربما تعمَّدت تضخيم الخطر الخارجي من أجل خلق سبب يحمل الناس على الولاء لها.

استمعوا لخطابات دجال البيت الأبيض (جورج بوش) وسوف ترونه يحدِّث (دواجنه) ويخطب فيهم كل أسبوع عن عظمة المبادئ (الديمقراطية) و عن (الحرية) التي يسعى (الإرهابيون) و (أعداء العالم الحر) إلى زعزعتها.

ويومَ كانت لدولة الروس صولة وجولة، كان زعماؤها يحدثون (دواجنهم) عن جنة (الشيوعية) الموعودة، وعن فضائل (الاشتراكية) التي لا تحصى، وعن مناقب (الماركسية) التي سوف تداوى جروح الطبقة الكادحة الفقيرة المطحونة.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت