ـ [د. مصطفى] ــــــــ [24 - Jan-2009, مساء 10:53] ـ
كتبه/ عبد المنعم الشحات
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
فمن القواعدِ الشرعية مراعاةُ المصالح والمفاسد فيما يُقدِم عليه الأفرادُ والجماعات من التصرفات؛ لأن دين الله مصلحة كله، ولكن مراعاة المصالح والمفاسد من الأبواب التي تحتاج إلى علم وبصيرة بالشرع من جهة، وبالواقع من جهة أخرى، لاسيما في المسائل التي لِهَوى النفوس فيها مدخل كبير؛ وإلا فقد جاء الجد بن قيس إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- محاولا امتطاء تلك القاعدة ليبرر جبنه وتخاذله عن الجهاد في غزوة تبوك قائلا: لقد علمت الأنصار من أشدهم حبا للنساء، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر عليهن فأنزل الله- تعالى-: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا) (التوبة:49) .
لأن عدم صبره عن النساء -إن كان صادقا فيما يقول- راجع إلى تقصيره هو في علاج نفسه، فلا ينبغي أن يكون الخطأ تبريرا لخطأ آخر؛ بل الأولى بالمؤمن الذي انزلق مرة ثم وجد أن هذا سوف يجره إلى مزيد من السقوط في الهاوية أن يسارع بالتصحيح قبل أن يُختم على قلبه كما قال -تعالى-: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور:63) .
وما أروع موقف كعب بن مالك -رضي الله عنه- في هذه الغزوة الذي ظفر منه الشيطان بتكاسل وتسويف قعد به عن إدراك الغزو مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم أراد الشيطان أن يجره إلى الكذب على الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، فصمد للفتنة، وقرر تصحيح مساره، ولم يستمر في السقوط وأقر بذنبه، واعترف حتى تاب الله عليه، وحتى أصبحت قصة توبته مضرب المثل في التوبة الصادقة عبر الأجيال.
إذن فلا تؤثر في ميزان المصالح والمفاسد المفاسد التي يستطيع المرء دفعها عن نفسه، ولا يدخل فيها الأمور التي كلف الله المؤمنين بتحملها من تحمل الأذى في النفس والمال، لاسيما إذا كان في سبيل نصرة الدين طالما رجا المسلمون النصر في النهاية (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) (التوبة:111) ، (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة:155) .
وكذلك ينبغي في الموازنة بين المصالح والمفاسد معرفة البدائل الواقعية المطروحة، مع استفراغ الوسع في محاولة استقراء الوضع، وما يغلب على الظن من فعل الأعداء.
وعندما غدرت عضل والقارة بأصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- في فاجعة الرجيع، وطالبوا منهم الاستسلام على ألا يقتلوهم؛ رفض معظمهم ذلك فقاتلوا حتى قتلوا، وقبل منهم من قبل ثم غدر بهم المشركون وقتلوهم؛ فقنت النبي -صلى الله عليه وسلم- عليهم شهرا.
والحاصل أن القاعدة من حيث الأصل مقررة، ولكنها من حيث التطبيق تحتاج إلى بصيرة عالية بالشرع والواقع، والأمر فيها متروك لتقدير من في الموقف، كما حدث ذلك أيضا في غزوة مؤتة فرأى زيد بن حارثة ومن بعده جعفر بن أبي طالب ومن بعدهما عبد الله بن رواحة -رضي الله عنهم- أن المسلمين قادرون على الثبات وإحداث نكاية في العدو؛ فكان لهم ذلك -بفضل الله-، ثم تولى القيادة خالد بن الوليد -رضي الله عنه- فقرر مواصلة القتال حتى يتمكن من عمل انسحاب تكتيكي من المعركة، فعد النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك نصرا، فقال: (حَتَّى أَخَذَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) رواه البخاري.
وفي الحرب اليهودية الشرسة على غزة رأى عامة العلمانيين وبعض المنتسبين للعمل الإسلامي أن حركة حماس هي التي استفزت العدو، وحيث إن الذب عن عرض المجاهدين هو نوع من نصرتهم فكان ولابد من القيام بذلك.
(يُتْبَعُ)