فهرس الكتاب

الصفحة 6827 من 28557

ـ [أبو محمد التونسي] ــــــــ [07 - Apr-2008, مساء 07:55] ـ

ليسوا سواء بل هم طوائف

أ. د. ناصر العمر > 06/ 04/2008

شاعت بين المسلمين -أثناء التعدي الدنمركي على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم- عبارة غير دقيقة اتُّخِذت كشعار، ونصها:"لو عرفوه لأحبوه"، وهذا الشعار طبع في أذهان كثير من المسلمين أن الإشكال مع الغرب جاء من جهة عدم تصورهم أو فهمهم للإسلام ولنبيه صلى الله عليه وسلم، وهذا بلا شك خطأ كبير يكذبه الواقع، وهو مخالف لما بينه لنا ربنا سبحانه وتعالى في نحو قوله:"يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ" [آل عمران:71] ، وقوله عز وجل:"الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ" [البقرة:146] .

إن كثيرًا منهم يعرفون الكتاب، ويعرفون أن ما جاء به القرآن الكريم هو الحق من ربهم ثم يكتمونه حسدًا وبغيًا، وكثيرًا منهم يعلمون أن محمدًا هو رسول الله حقًا وصدقًا، ومع ذلك أبوا إلاّ أن يناصبوه العداء في الحاضر، كما ناصبه أسلافهم العداء في الماضي وهم يعلمون، ولهذا أثنى الله على من خالف هواه منهم، وانصاع للحق الذي عرفه، فقال سبحانه:"الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [الأعراف:157] .

وفي قصة إسلام عبد الله بن سلام الحبر البحر -رضي الله عنه- في صحيح البخاري وغيره ما يبين حقيقة العداء بجلاء (1) .

وهذه حال النصارى أيضًا، فليسوا بمنأى عن نهج هؤلاء، وقد ثبت عند البخاري وغيره خبر أبي سفيان مع هرقل الروم عظيم النصارى يوم جاءه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه:"فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغُلِّقت، ثم اطَّلَع فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حُمُرِ الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غُلِّقت، فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من الإيمان قال: ردوهم علي وقال: إني قلت مقالتي آنفًا أختبر بها شدتكم على دينكم فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل" (2) .

فأخطأ من ظن أن سبب العداوة من جميع اليهود والنصارى لنبينا صلى الله عليه وسلم عدم معرفتهم به أو بصدق رسالته.

نعم هو سبب موجود في بعضهم، ولذا فإن هذا السبب لا ينبغي أن يُغفل أو يُهمل، كما لا ينبغي أن يُغالَى فيه ويعمَّم، فإن هذا من دواعي تفاقم الإشكال لا حله، لأن التعميم سيكون حكمًا مبنيًا على محض الوهم، والحق أن في الغرب خمس طوائف وليس من الصواب التعامل معهم كأنهم طائفة واحدة:

فالطائفة الأولى طائفة المستكبرين المعاندين باطري الحق وغامطي الإسلام، وهذه الطائفة هي التي تتولى كبر محاربة الحق عبر التاريخ، وهي اليوم تؤلب الإعلام، وتوجه الرأي العام ضد الإسلام، ونبيه عليه الصلاة والسلام، فهذه ينبغي أن تخاطب بما يفضح أهلها ويبين تناقضهم، ويظهر للناس حنقهم وحقدهم، وذلك بحسب ما تقتضيه المصلحة وحال الإسلام قوة وضعفًا.

والطائفة الثانية طائفة الجهلة المغرر بهم، وأهلها لا يعرفون عن الإسلام إلاّ ما صَوَّرته الطائفة الأولى، فهؤلاء المساكين ينبغي أن يستنقذهم بنو الإسلام، فيُعَرّفونهم بنبي الثقلين وبدين الحق، ويعرضون عليهم صورته المشرقة في سكينة وهدوء؛ فإن أبوا الانصياع للحق بعدها ألحقوا بالطائفة الأولى. وينبغي التفطن إلى أن طريقة تعريفهم المرضية لا تكون بعرض بعض حقيقة الإسلام وإنكار بعضه أو تعميته، بل يعرض الشرع كاملًا كما هو، وتبين محاسنه ويذاع فضله على شرائعهم وقوانينهم بالحجج والبينات، ولا ينبغي أن يغفل عن الشبه التي يقذف بها ملابسو هؤلاء من

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت