ـ [أبو مارية الصغرى] ــــــــ [24 - Jul-2008, صباحًا 12:04] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الاختلاف أسسه، وآدابه الشرعية
محاضرة ألقيت في الندوة العلمية الثانية
للأئمة وخطباء المساجد في حمص تحت إشراف
مديرية أوقاف حمص في 1/ 8/2004
إعداد وتقديم
العلامة إسماعيل عبد الكريم المجذوب
الحمد لله رب العالمين، الذي هدانا صراطه المستقيم، ونسأله تمام الهداية، والصلاة والسلام على سيدنا محمد القائل: (( الدّينُ النّصِيحَةُ، قالوا: لِمَنْ؟ قَالَ: لله وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامّتِهِمْ ) ) [مسلم / 56] .
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، القائل في كتابه: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [المائدة / 48] .
وأشهد أن سيدنا محمدًا r عبده ورسوله الذي حدد علاقة المؤمنين فيما بينهم بقوله: (( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ. إِذَا اشْتَكَىَ مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَىَ لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسّهَرِ وَالْحُمّىَ ) ) [مسلم / 2586] .
وبعد فهذه كلمات أحاول فيها الاستضاءة بهدي رسول الله r في أمور الاختلاف، أرجو أن تكون معينة لنا أن نكون في هذا الجانب كما يحب ربنا سبحانه وتعالى ويرضى.
لا بد من الاختلاف وهو من آيات الله تعالى
لا بد في حياة الإنسان من الاختلاف، لأن الله تعالى لم يخلق الناس متماثلين في كل شيء، بل جعلهم متفاوتين في طبائعهم ومواهبهم، وفي استعداداتهم وميولهم، فلا يوجد تشابه تام بين إنسان وإنسان.
وهذا الاختلاف من آيات الله العظيمة في مخلوقاته، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ} [الروم / 22] .
بل إن الفرد الواحد مهما كان عظيمًا يختلف حاله ورأيه بين وقت وآخر، وقد يرى في وقت الخير في شيء ثم يرى خيرًا منه في وقت آخر، فهذا رسول الله r يرى الخير في شيء ثم يرى خيرًا منه في وقت آخر، فيغير موقفه ويغير عمله، عن أبي موسى الأشعري t قال: (( وَإِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ أَوْ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي ) ) [البخاري /2946 ومسلم / 1649]
وهذا سيدنا داود والد سيدنا سليمان عليهما الصلاة والسلام، وهما نبيان كريمان تعرض عليهما قضية واحدة فيجتهدان في حكمها ويختلف اجتهاد كل منهما عن الآخر، قال تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ 78} فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا [الأنبياء]
وانظر إلى شَيْخَيْ هذه الأمة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وقد حظيا من تربية رسول الله r بأوفر نصيب عندما قال r لأصحابه y بعد غزوة بدر: ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟
فقال أبو بكر t: يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم واستأن بهم لعل الله أن يتوب عليهم.
وقال عمر t: يا رسول الله أخرجوك وكذبوك قربهم فأضرب أعناقهم.
قال: فدخل رسول الله r ولم يرد عليهم شيئا فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر وقال ناس: يأخذ بقول عمر.
فخرج عليهم رسول الله r فقال: إن الله لَيُلِيْنُ قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن وإن الله ليَشُدُّ قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة.
وإن مَثَلَكَ يا أبا بكر كمثل إبراهيم r قال: من تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم، و مَثَلَكَ يا أبا بكر كمثل عيسى قال: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم.
وإن مَثَلَكَ يا عمر كمثل نوح قال: رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا وإن مَثَلَكَ يا عمر كمثل موسى قال: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ. [مسند الإمام أحمد 1/ 383]
ليس الاختلاف شرًا، وفي الإسلام فسحة له
(يُتْبَعُ)