فهرس الكتاب

الصفحة 25208 من 28557

ـ [أبوالطيب الروبي] ــــــــ [20 - May-2010, صباحًا 09:56] ـ

وقع في الآونة الأخيرة جدلٌ فكري واسع حول الدعوة إلى التعليم المختلط، ومحاكاة المملكة للنموذج الغربي - أو بالأحرى للنموذج العالمي - في ذلك، فكلُّ دول العالم بها تعليم مختلط، فلماذا تظلُّ المملكة منفردة عن كلِّ الدنيا في أنظمتها، مخالفة لجميع لأهل الأرض في هديها؟

وقد أبدى فريقٌ من الناس تحفُّظهم على ذلك، وذكروا أضرارَ الاختلاط وما يعقبه من مفاسد وشرور، وأنه ليس من العقل أن نكوي أنفسنا بالنار لمجرد أن غيرنا فعل ذلك.

وأبدى غيرهم عدمَ تخوفهم من ذلك، وأن الجامعات والمدارس قاعات للدرس وحقول للبحث العلمي فحسب، وليست أماكن للنزهة والخلاعة، فلا وجه لكلِّ هذه الزوبعة، وأن مثل هذه المحاذير والمفاسد التي يذكرها المانعون لن تكون قاعات التعليم مكانًا مناسبًا لوقوعها.

وهناك فريق ثالث ممثل في العلمانيين والليبراليين - الذين اعتادوا الصيد في الماء العَكِر - اهتبلوا هذه القضية فرصة جاءتهم على طَبَقٍ من ذَهب، فشنعوا - كدأبهم - على أحكام شرعيَّة، كتحريم الاختلاط والتبرُّج وغيرها، ونصبوا بعض العلماء الفضلاء هدفًا لسهامهم، وتستَّروا بأنهم يريدون نهضة الوطن ونمو المجتمع، وأن حربهم مع مَن يحول دون ذلك.

وبرأيي أن ما ذكره المانعون من مفاسد الاختلاط في قاعات الدراسة ليس هو وحدَه مكمن الخطر ومصدر القلق، لكن الأمر الخطير جدًّا في رأيي: هو أن السماح بالتعليم المختلط في الجامعات أو غيرها يعطي رسالة غير مباشرةللعالم أجمع: أن التمدُّن والتحضُّر والرُّقي لا سبيل إليه إلا بتخلِّينا عن ديننا وقِيَمنا، وأن التمسُّك بأوامر الله - تعالى - يساوي التخلُّف والرجعيَّة، وأن تضييع أوامر الله - تعالى - يساوي الرُّقي والتطور والتمدُّن.

وهذه بَليَّة كبيرة كما أنها فِرْية عظيمة على شرع الله - تعالى - من جهة، وعلى الرقي والتمدُّن من جهة أخرى، وإن كان أقوام - أعمى الله قلوبهم وختم على أسماعهم - يدندنون بهذه الفِرْية ليلَ نهار؛ أعني: العلمانيين والليبراليين.

إن أعلى درجات الرُّقي والتمدُّن أن نتمسك بديننا وأخلاقنا وقِيَمنا، مع الأخذ بما أخذ به الناس من العلم المادي والتطور التِّقني.

فحاجة الإنسانيَّة اليوم لمن يصحح لها أخلاقها ويهذِّب لها تفكيرها، ويأخذ بيدها ليخرجها من ظلمات الإلحاد والشرك، والشقاء والصراع والتناحر، إلى نور الإسلام والتوحيد وجنة السعادة والطمأنينة والاستقرار - أعظم ألف مرة من حاجتها لمن يقدِّم لها مخترعًا جديدًا، أو اكتشافًا علميًّا في حَقل من حقول البحث العلمي.

إن التطور التِّقني الذي يسود العالم حاليًا لم يحلَّ مشاكل الإنسان على هذه الأرض، فَنِسَب الانتحار تزداد يومًا بعد يوم، والظلم والاستبداد لهو قائم أشدُّ مما كان، والعيادات النفسيَّة وتعاطي المهدِّئات - بل والمخدرات والكحوليات المسكرة - تملأ أرجاء الأرض المعمورة.

إذًا؛ فعلينا أن ندرك أن ما عندنا من دين الإسلام الحنيف وشرع العليم الحكيم الرحيم - ومنه: تحريم الاختلاط والتبرُّج - هو أثمن وأعظم وأنفع للبشريَّة مما يمكن أن نقدمه لها من تطور تكنولوجي أو تِقني، إن فُرِض أننا سبقنا العالم كله في ذلك، وصار العالم عالة على ما عندنا من تقدُّمٍ وتكنولوجيا.

لماذا لا نسأل أنفسنا عن الشيء الذي يمكننا أن نسابق به الغرب المتطور والمتقدِّم تكنولوجيًّا وتِقنيًّا؟ هل يمكن أن يكون هذا الشيء في الجانب التِّقني والتكنولوجي؟ وإذا كان، فما عندنا الآن؟ هل هو شيء مساوٍ لما عند الغرب أو أفضل منه أو دونه؟

إننا عندما نضع أنفسنا في مقارنة أو منافسة تِقْنيَّة أو ماديَّة مع الغرب، فإن الكِفَّة ستميل إلى جانب الغرب مائة في المائة، ولا ريب أن معركتنا معه - لو حصرناها في هذا الجانب وحدَه - ستكون خاسرة، فالغرب قد قطع شوطًا كبيرًا حتى وصل إلى ما هو عليه الآن، ولا بد أن أمامنا نفس هذه المسافة الزمنيَّة لنصل إلى ما وصل إليه، فضلًا عن أن نتفوَّق عليه، بينما لو تمسَّكنا بديننا وقِيَمنا وبدأنا المنافسة التِّقنية، فإن طريقة سير المعركة ستكون مختلفة؛ إذ هي محسومة لنا في الجانب العقدي والأخلاقي، فنكون متفوقين عليه في هذا الجانب دائمًا، إلى أن نصل إلى

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت