ـ [ابو البراء الغزي] ــــــــ [16 - Apr-2010, مساء 06:59] ـ
(ماردين السلام) و الدين المبدّل و المؤول
د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف
قرأتُ"إعلان ماردين السلام"و نتائج هذا المؤتمر، و الذي أقيم بمدينة ماردين بتركيا في اليوم الحادي عشر و الثاني عشر من شهر ربيع الثاني سنة 1431 هـ، و استبان أن المؤتمر قد تكالب على عقيدة الولاء و البراء بالشغب و التشكيك، و الخنق و التضييق.
فقد استهل الإعلان بترسيخ ما أسموه بـ"الأخوة الإنسانية"، فهذه الأخوة المزعومة من الأوجه الخداعة في تهوين عقيدة الولاء و البراء، و إضعاف الأخوة الإيمانية.
ورحم الله العلاّمة بكر أبا زيد، إذ حذّر من سراب"الإنسانية"فقال عنها:"إنها ضد الدين، فهي دعوة إلى أن نواجه المعاني السامية في الحياة بالإنسانية لا بالدين."
إنها في المعنى شقيقة قول المنافقين: {وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} البقرة 14.
و الخلاصة إنها محاربة المسلمين باسم الإنسانية، لتبقى اليهودية، ويمحى رسم الإسلام، قاتلهم الله وخذلهم"1."
عمد المؤتمر إلى التشكيك و الطعن في تقسيم الديار إلى دار إسلام، و دار كفر و حرب، فزعموا أن هذا التقسيم مجرد آراء اجتهادية أمْلتها أوضاع سابقة، لقد شرِق الكثير بهذا التقسيم، ممن يؤثر استملاح الكفرة و ملاينتهم , والتودد للأنظمة العلمانية، و الركون إلى العاجلة، فلما صعبت تبعات الاحتساب والأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و دبّ داء الوهن في تلك النفوس، و تنصّلت عن مراغمة أعداء الله - تعالى - بالجدال والجلاد، عندئذ استطابت الهيام بـ"دار السلام!"و صار هجيّراهم الثرثرة باحترام الإنسان، و إشاعة روح التسامح و التعايش، و بذل قصارى الجهد في خنق شعيرة الجهاد في سبيل الله - تعالى -، فغابت المواقف العملية الشجاعة، و انمحت الفتاوى الشرعية الحاسمة، و اندرست ألفاظ الشريعة، و طغت الألفاظ العائمة و المحدثة.
إن التطاول على هذا التقسيم هو امتداد للتطاول على عقيدة الولاء للمؤمنين و البراءة من الكافرين، و توهين لتحكيم الشريعة، وإضعاف لناموسها. فالهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام ثابتة باقية إلى قيام الساعة، قال الله - تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا} النساء 97.
و نقل القرطبي مقالة ابن العربي بأن هذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة 2.
و قال ابن رشد:"و جب بالكتاب و السنة و إجماع الأمة على من أسلم ببلد الحرب أن يهاجر، و يلحق بدار المسلمين و لا يثوي بين المشركين، و يقيم بين أظهرهم لئلا تجري عليه أحكامهم"3
و قال ابن كثير:"هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين، و هو قادر على الهجرة، و ليس متمكنًا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حرامًا بالإجماع"4.
و كتب الونشريسي (ت 914 هـ) رسالة بعنوان"أسنى المتاجر في بيان أحكام من غلب على وطنه النصارى و لم يهاجر، و ما يترتب عليه من العقوبات و الزواجر"و أورد النصوص الشرعية في تحريم الموالاة الكفرية، و وجوب الهجرة إلى دار الإسلام، فكان مما قاله:"فلا تجد في تحريم هذه الإقامة، و هذا الموالاة الكفرانية مخالفًا لأهل القبلة المتمسكين بالكتاب العزيز، فهو تحريم مقطوع به من الدين .. و من جوّز هذه الإقامة و استخف أمرها، و استسهل حكمها فهو مارق من الدين، مفارق لجماعة المسلمين، و مسبوق بالإجماع الذي لا سبيل إلى مخالفته. ."5.
و قد حكم العلامة عبد الرحمن السعدي (ت 1376 هـ) بأن البحرين و العراق دارا للكفر لما كانتا تحت الاستعمار الإنجليزي؛ لأن النفوذ و الحكم للإنجليز. . كما حرر أن دار الكفر قد تكون دار حرب، أو دار هدنة"6."
(يُتْبَعُ)