ـ [أبو أحمد العنزي] ــــــــ [28 - Dec-2007, صباحًا 10:58] ـ
مقتل بوتو .. ألوان اللوحة لم تجف
أمير سعيد
انقلبت الطاولة وطاشت كل التوقعات، وتناثرت مع أشلاء المرافقين لبوتو ومع الشظايا التي أصابتها طموحات وسياسات محلية وإقليمية ودولية كثيرة.
بوتو كانت معدة لتبوأ منصب رئاسة الوزراء وقد عقد لها خرز التاج، لكنها الآن مسجاة استعدادًا لدفنها وفقًا لطقوس الطائفة الإسماعيلية التي تنتمي إليها.
سيبحث المحللون عن القاتل، لكن التوقيت بالأكيد هو القاتل المعروف حتى الآن، ففي لحظة فارقة في ساعة السياسة الباكستانية قتلت بوتو مثلما اغتيل الرئيس الباكستاني الأسبق ضياء الحق مع اختلاف توجه الشخصيتين؛ فلقد اغتيل ضياء الحق، عندما أبان عن توجه ديني لحكمه وأدار ظهره للولايات المتحدة الأمريكية وإيران، بينما غابت بوتو إلى الأبد حين استقبلتهما وتوعدت"المتشددين"و"إرهابي"المدارس الدينية التي تعلم أبناءها التصويب بالبنادق كما قالت الراحلة قبل أيام.
بيد أن أصابع الاتهام ليس بالضرورة أن تتجه في مقتل بوتو إلى متدينين رأوها خطرًا على دعوتهم ومدارسهم الدينية، بل إن احترافية عملية القتل تومئ إلى جهة أكبر من عمليات"هواة"الطلاب، علاوة على أن بوتو لم تكن في معية حرسها الخاص وحدهم، بل تمر عملية تأمينها بإجراءات معقدة تمر عبر واشنطن وإسلام آباد إذ إن وجود بوتو لم يكن رهينًا بإرادة توافقية بينها والرئيس الباكستاني برفيز مشرف فقط، بل تمت عبر إملاء صريح من
جون نيجروبونتي نائب وزيرة الخارجية الأمريكية الذي اتضح جليًا تأثيره خلال زيارته إلى باكستان قبل أربعين يومًا.
الولايات المتحدة كانت راغبة في وصول"الليبرالية"بوتو إلى رئاسة الوزراء، وتلاقت مصالحها مع الرئيس الباكستاني برفيز مشرف الذي رآها ـ أقل الخسائر ـ في مساعي تجريده من صلاحياته المطلقة التي كان يتمتع بها، ولذا كان مفهومًا أن يخرج رئيس الوزراء السابق نواز شريف من حيز التطلع لرئاسة الوزراء إلى"التمثيل المشرف"داخل البرلمان الباكستاني، فيمنع من حقه في الترشح للانتخابات ويسمح لحزبه بذلك، وإذن كان الرئيسان بوش ومشرف معنيان بشكل مباشر بضمان سلامة بوتو، وقد تبدى ذلك جليًا في أعقاب محاولة اغتيالها لدى عودتها من منفاها قبل شهرين حين خاض الناس في كون هذه المحاولة مسرحية اغتيال هدفها منح بوتو كاريزما إضافية أم محاولة جادة من قبل أطراف رأتها في عداد الموتى أفضل من كرسي رئاسة الوزراء.
ومهما يكن من أمر؛ فقد تكون عملية اغتيال بوتو من طرف الاستخبارات الباكستانية أو تحديدًا جناحها"الوطني"أو"الإسلامي"أو الاثنين معًا، الذي ساءه ما يسيئه منها شخصيًا أو من كونها ستضخ دمًا جديدًا في عروق الرئيس البغيض إلى جميع قوى باكستان تقريبًا.
فوصول بوتو إلى سدة الحكم بمعية مشرف كانت في نظرهم ستعني مزيدًا من الارتهان إلى الجانب الأمريكي، وتفريطًا في السيادة الوطنية التي غدت يد الولايات المتحدة على مقربة شديدة من ملفها النووي الاستراتيجي، وموتًا سريريًا لملف كشمير وتباريها مع الجارة الهندية، وتباعدًا مخيفًا عن الملف الأفغاني بالغ الأهمية بالنسبة إلى باكستان.
ووصولها سيقود إلى مزيد من العنف الداخلي في منطقة القبائل وتحرشًا زائدًا بـ"الحساسيات الدينية"التي أشعلها نظام مشرف عبر سلسلة من الإجراءات مر أخطرها بقضية اقتحام المسجد الأحمر الدموية وما جرته من تداعيات خطيرة في الملفين الإسلامي عمومًا والطائفي خصوصًا.
وجود"فدائي"أو"استشهادي"أو"انتحاري"ـ أيا كان المسمى الذي يروق لمحللي السياسة ومحرري الأخبار ـ أو أكثر من بين المهاجمين سيمنحه"مسحة"دينية لكنه لن يحول دون فتح المجال أمام البحث عن الجهة التي سهلت للقناص الذي أصابها في رقبتها بالرصاص قبل أن يفجر ذاته في موكبها الطريق إلى اختراق تلكم الجموع.
(يُتْبَعُ)