فهرس الكتاب

الصفحة 12749 من 28557

ـ [خلدون مكي الحسني] ــــــــ [29 - Nov-2008, مساء 03:17] ـ

إنباءُ الأنام عمّا فيْ شدّ الرِّحالِ لزيَارَة القُبورِ مِنْ أحكام

الحمد لله ربّ العالمين، اللهم صلِّ وسلّم على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين و على آله الطيبين، أمّا بعد:

فإني أسوق إليك، أخي المؤمن، جملةَ أحكام نقلها علماؤنا عن أسلافهم من التابعين والصحابة الكرام، مما عقلوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة القبور وأحكامها، راجيًا من الله أن يوفقني في عرضها على وجهٍ يزيل الإلباس، وأسأل الله تعالى أن ينفعني وإياك بها وأن يبصّرنا الحق.

أولًا؛ القبر: المكان الذي يدفن فيه الميت، وهو آخر منزلٍ ينزله الإنسان في هذه الحياة الدنيا فإذا صار إليه انقطعَ عن الأحياء خبرُه، ودخل في عالم المغيّبات أمره.

وقد فتَنَ الشيطانُ الأممَ التي قبلنا وزَيَّن لها باطِلَه، واتّخذ القبور وسيلة من وسائله لإضلالهم وصرفهم عن الحق الذي يأتيهم من عند الله. وببعثة خير البشر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم رَحِمَ الله الأمّة، وكشف عنها الجهل والجاهلية، فبين لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أحكام القبور وما يجوز فيها وما لا يجوز، ثمّ نهاهم عن زيارة القبور ليقطع عنهم علائق الجاهلية وعقائد الشرك والضلال ووساوس الشيطان. فلمّا استقرّت عقيدتهم في آخر الأمر قال لهم: (( نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ) )رواه مسلم.

ثمّ قال لهم: (( لعن الله اليهود والنّصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) )متفق عليه.

ثمّ أمر بتسويتها، كما في مسلم، ثم ّ نهى أن يجصّصَ القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه. رواه مسلم.

ثمّ قال لهم: (( لا تجلسوا على القبور ولاتصلّوا إليها ) )رواه مسلم.

وقال: (( لعن الله زوّارات القبور ) )رواه أحمد و الترمذي.

وهناك أحاديث كثيرة يبيّن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم شرع الله تعالى في مسألة الدفن وهيئة القبر وضوابط الزيارة.

ثانيًا؛ زيارة القبور: تقدّم معنا أن الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم كان قد نهى عن زيارة القبور ثمّ رخّص في زيارتها و بيَّن الحكمة من ذلك في قوله: (( فزورا القبور فإنها تذكّرُ الموتَ ) )رواه مسلم.

قال القاضي عياض في شرح الحديث:".. و علّة الإباحة أن تكون الزيارة للاعتبار لا للفخر ولا للمباهاة والنوح، كما قال: (( فزوروها و لا تقولوا هُجرًا ) )كما في الموطأ وأحمد والنسائي."

وقال القاضي ابن العربي المالكي:"لا أعلم لزيارة القبور وجهًا إلا أنها تذكّر الآخرة". [انظر شرح مسلم للأُبِّي 3/ 396 كتاب الجنائز] .

إذن فالحكمة من زيارة القبور هي الموعظة والاعتبار وليس التبرّك أو الافتخار. وقد وضّح ذلك القاضي عياض في شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (( استأذنتُ ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي ) ).رواه مسلم.

قال القاضي:"سبب زيارته صلى الله عليه وسلم قبرها أنه قصد قوَّةَ الموعظة بمشاهدته قبرها ومصرعها، وشكر الله على ما منّ عليه به و حُرِمَتْهُ". انتهى [شرح مسلم للأبي 3/ 395]

ثالثًا؛ أمّا آداب الزيارة فقد علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نسلّم على أهل القبور وكيف نستغفر وندعو لهم، في هذا الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: (( السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدًا، مُؤَجَّلُون وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون. اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد ) )رواه مسلم.

وكذلك عندما علَّمَ السيّدة عائشة ما تقول إذا زارت القبور فقال: (( قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين يرحم الله المستقدمين منّا والمستأخرين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون. وفي رواية: أسأل الله لنا ولكم العافية ) ). رواه مسلم.

· هكذا علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمّا الشيطان فيزيِّن لِمَنْ حَادَ عن السنّة وتنكّب الصراط المستقيم أن يقولوا إذا أتوا القبور: المدد يا سيدي فلان (الميت) المدد!! ويسألونه حوائجهم وما إلى ذلك. وإنّا لله وإنا إليه راجعون.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت