فهرس الكتاب

الصفحة 7442 من 28557

ـ [عبدالقادر بن محي الدين] ــــــــ [01 - May-2008, مساء 11:08] ـ

اعلم علمني الله وإياك , أن الاستغاثة هي طلب الغوث , أي الانقاذ من الشدة والهلاك , وهذا إنما يكون وقت الاضطرار , فهي وإن كانت من جنس الدعاء , دعاء المسألة , إلا أنها أخص من حيث إبداء العجز وإظهار الحاجة والافتقار إلى الباري عز وجل , وهذا هو لبّ العبادة ومخها ,فإنها كمال الحب مع كمال الذل , قال الله تعالى:"وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه", وقال تعالى:"أمّن يجيبُ المضطر إذا دعاه ويكشف السُّوء", والدعاء بقسميه عبادة بنص الكتاب العزيز والسنة المطهرة , ولا تكون العبادة إلا لله , قال تعالى:"وقال ربكم ادعوني استجب لكم إنّ الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين", وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"الدعاء هو العبادة", ثم قرأ:"وقال ربكم ادعوني أستجب لكم", رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة , فمن دعا غير الله فقد عبده , كما أن من استغاث بغيره فقد عبده من باب أولى , فإنه إذا كان الدعاء وهو أعم , عبادة , فكيف بهذا النوع منه وهو أخص؟ , أما إن قال قائل إني لا أعتبره عبادة , فالجواب أنه لا عبرة بقولك , إذ الحجة في تسمية الشرع لا في تسمية غيره , وليس هذا مما يلجأ فيه العرف , وفي كتاب الله تعالى دليل على أن ما يعتبره الناس لا ينفعهم في المعاذير إذا خالف الشرع , فقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم اتخاذ اليهود والنصارى أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله كما في سورة التوبة , قال تعالى:"اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله", فسره بما في حديث عدي بن حاتم - رضي الله عنه -وهو اتباعهم في التحليل والتحريم , والمتخذون لم يكونوا يعتبرونهم كذلك , وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل.

وقد ذهب بعضهم إلى أن الاستغاثة بالمخلوقات من جنس التوسل , وحيث كان التوسل بالنبي جائزًا عنده , فالاستغاثة مثله , وهذا لا يصح , فإن جواز التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم غير مسلم , وأقل مايقال فيه إنه مختلف فيه , وظواهر نصوص القرآن والسنة بضميمة تفسير السلف وعملهم تأباه , ثم رعاية مبدأ سدّ الذرائع , قال الله تعالى:"وابتغوا إليه الوسيلة", وقال تعالى:"أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة", فإن الوسيلة هي مايتوصل به إلى تحصيل المقصود , والمراد الذي يتوصل إليه هنا هو مرضاة الله , بفعل الطاعات , من الواجات والمندوبات , والأصل فيها جملة وتفصيلًا المنع.

والجار والمجرور في الآيتين متعلق بالفعل قبله فيفيد الحصر , وليس متعلقًا بالوسيلة بعده , أي تقربوا إليه وحده , ففي ذلك إحالة على القربات المعروفة في الدين , وكما أمر بالتقرب إليه وحده ,أخبر أن هذا شأن عباده الصالحين الصالحين الذين يدعوهم المشركون , ومع هذا قال بعضهم بالتوسل بالنبي ثم لم يقفوا عند هذا وحده , بعد أن وجدوا في حديث الأعمى الذي رواه الترمذي , وهو حسن , ما يقوي شبهتهم , بل ألحقوا به التوسل بالأولياء وغيرهم , وهذا كقياسهم على التبرك بفضل وضوء النبي صلى الله عليه وسلم وشعره وغير ذلك التبرك بغيره , وهو خلاف الصواب لعدم فعل السلف.

ثم إنهم لم يقتصروا على هذا التوسل الذي زعموه جائزًا , بل طردوه وجعلوا الاستغاثة وغيرها من جنسه , وما هي منه بسبيل , ثم أطلقوا على بعض الناس اسم الغوث والمغيث , ووصلوا إلى درجة اعتبار بعض الناس يتصرفون في الكون , ولو لم يكونوا يعتقدون فيهم ذلك ما سألوهم أمورًا لا قدرة لهم عليها وهم أحياء , فكيف وهم أموات؟ , وهذه الأسماء كالغوث والمغيث ليست معانيها إلا لله , فإنه هو غياث المستغيثين.

وليعلم أن التوسل والاستغاثة متغايران لا مترادفان خلاف الأصل , حتى إن بعض علماء العربية أنكره رأسًا , واللغة في هذا المقام هي الفيصل ,إن لم يكن ثمة حقيقة شرعية للكلمتين ,ولأن الاستغاثة كما تقدم من جملة الدعاء , بل هي أخص فلا يجوز صرفها للمخلوق حسب التفصيل المذكور , وقد جاء النهي عن ذلك في الحديث:"وإنما يستغاث بالله", وهذه صيغة حصر.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت