فهرس الكتاب

الصفحة 24586 من 28557

ـ [أم سلمي] ــــــــ [25 - Apr-2010, مساء 06:24] ـ

لا يعاني الواقع من شيئ معاناته من"التحيز"و"التصنيف"، فالنفسية (المصنفة) هي نفسية ترى الـ"تحيز"ضرورة لأي حكم سواء كان الحكم على الوقائع، أو على الأشخاص، أو على الهيئات والأحداث.

ماذا أقصد بالتحيز؟؟

إن المطالع لما يدور بالساحة من صراع بين أفراد وجماعات، ليدرك أن الانسان لا بد أن يتترس قبل أن يناقش، فهو يتترس بفكر حزب أو جماعة أو شخص، ثم ينطلق من خلاله لمناقشة أي فكرة أمامه، وهذا التحيز يؤدي مباشرة إلى"التصنيف"، وقد يكون التحيز إلى"شلة"متوافقة بالفكرة والرأي، وقد يصنع هذا الرأي توافق شعوري من خلال إلفه بين مجموعة من الأشخاص، فتراه يناصر أقوالهم، ولا يند عن شي منها البتة، وقد تدخل الاعتبارات العاطفية في الطريق، فيترك فكرته التي يؤمن بها ليقول بقول فلان وعلان مخافة أن يفقد صلته الطويلة به، لأننا تعودنا في واقعنا على"المفاصلة"في الأفكار، وطردها على مستوى واحد لا يقبل التجزئة، ولا التفريق بين ما يمكن قبول الخلاف فيه وما لا يمكن قبول الخلاف فيه، ولا نميز في كل قضايانا بين موارد القطع واليقين، وبين موارد الظن والخلاف ..

إن هذا"التحيز"يحجب عن الانسان الرؤية"الاستقلالية"التي تجعله يتبنى القول عن قناعة ويقين، ويحقق بذلك الرضا النفسي، ويحقق كذلك ذاته وهويته من خلال رؤية هو مؤمن بها ايمانًا ذاتيًا بعيدًا عن أي مؤثر، أو مدرسة، أو فئة، إذ الشخصية المتحيزة هي شخصية مقلوبة ومقودة، ومبرمجة التفكير على رأي واحد قد حجب عنه أي قول آخر، إذ لا تصدر إلا من جهة واحدة، وخط مستقيم لا يوجد فيه تعرجات تشحذ الذهن على النظر والتمعن، وبهذا يسهم هذا التحيز بقتل ملكة الانسان الابداعية الفكرية، فيعيش الانسان ذيليا لا يتحرك إلا حرّك، ولا ينظر إلا بعين غيره، ومثل هذا قد تعرف فكرته قبل أن يقولها، وتعرف طريقته قبل إن يسيرها، وتعرف فتواه قبل إن يتفوه بها ..

وهذا"التحيز"الذي يتخندق به الانسان يجعله ينظر إلى رؤيه خصمه من خلال"تصنيفه"له، فهو يحين يصنف داعية مثلا بأنه (متساهل) فإن هذا كفيل بأن يرد فكرته قبل إن يقرأها، وحين يصنف عالما بأنه (حكومي) فإن هذا يجعل بينه وبين هذا العالم خنادق نفسية عميقة، فلا ينظر إلى قوله من خلال معيار الفكر والعلم، بل ينظر إلى قوله من خلال"تصنيفه"له إولا، ثم تحيزه إلى التيار المقابل لتيار هذا الشيخ ثانيا، فيقطع على نفسه فرصة"التأمل"و"الاستقلال"في قبول الأفكار وردها .. ثم إن هذا"التصنيف"و"التحيز"يجعل الإنسان يبطل قناعاته الذاتيه عن الاشخاص، ويحاكمهم من خلال منظوره التصنيفي، فهو لا يجادل في أن هذا"الشيخ"هو سليم الاعتقاد، محقق المسائل، عالم بالعقل والنقل، ولكنه يترك هذا كله لأنه رأى إن هذا الشيخ فيه نوع"تساهل"، او فيه"انفتاح"او غير ذلك من المعاني المعلبة الجاهزة التي يرمي بها خصومه ليؤثر على نفسه وعلى من حوله في قطع الطريق على من يريد إن يتأمل بالاقوال دون أي مؤثر ..

إن كثيرا من الشباب يعاني من"خلوصية"ذاتية، ويفترضها في المقابل، فهو لا يمكن إن يفصّل في المسائل او في الاشخاص، فيقبل البعض ويرفض البعض، بل هو يفترض"الكمال"المطلق في الذات او في المقابل، ثم لا يقبل من الانسان إن يتجزأ فيخطي مرة ويصيب أخرى، بل لا بد إن يكون مصيبا على طول الخط، وأي خطأ يحصل يجعله يفاصل الرجل كأنه لم يعرفه في يوم من الأيام، وهذا الأمر هو الذي يحدث هذا"الانبعاج"في الدعوة والميادين الثقافية، وهو الذي يشذر العمل ويشطر العاملين، ويجعلهم شيعا وأحزابا ..

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت