فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [الإكليل] ــــــــ [23 - Feb-2007, مساء 08:26] ـ
الإنفتاح الفكري .. حقيقته وضوابطه (1/ 3)
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد:
فإن الشريعة الإسلامية قد بينت ضرورة العلم والتعلم بيانا شافيا، ووضحَّت قيمة العقل ومكانته في الإسلام وأهميته وكونه مناط التكليف، واستعمل القرآن الكريم الأدلة العقلية البرهانية على إثابت المطالب الإلهية، وأمر الإنسان بعمارة الأرض واستعمال ما فيها وفق المنهج الرباني.
وهذا كله يدل على تنمية الشريعة للإبداع والتفكير في حدود السياج الموصل إلى المعرفة الصحيحة. أما ضرب العقل والفكر في أودية الباطل السحيقة واشتغاله بما لا قبل له به، فهو مما نهت عنه الشريعة، وحذرت منه، إبعادًا للعقل عن الأوهام والخرافات والظنون الكاذبة.
وقد ظن بعض الدارسين بالشريعة الإسلامية ظن السوء، عندما توهموا أنَّ الشريعة الإسلامية تمنع الإبداع الصحيح، والفكر المنضبط، والرأي السليم، مما جعلهم يفتنون بدعوى (الانفتاح الفكري) والمنقول من الفكر الغربي الذي تدِّين بدينٍ محرَّف مبدَّل مناقضٍ للعقل الصريح والدين الصحيح، إلى الأمة المسلمة ذات الدين الصحيح والمنهج المستقيم الموافق للفطرة السليمة والعقول الصريحة.
ولقد أصبح (الانفتاح الفكري) حقيقة واقعة بعد أنْ كان فكرة فلسفية، ذلك بسبب التواصل الأممي الهائل عن طريق الاتصالات والمواصلات ... وبعد ظهور القنوات الفضائية والإنترنت أصبح الحديث عن الانفتاح الفكري بشكل كبير، وشعارًا لطائفة كبيرة من الليبراليين وجملة من الإسلاميين.
وقد أحببت أن أكتب في هذا الموضوع النازلة شيئًا عسى الله أن ينفعني به ومن قرأه من المسلمين. وقد حاولت جاهدًا أن يكون المنطلق في البحث في هذاالموضوع من الشريعة نفسها في تصوير دور الفكر ومجاله ومنزلته والموقف من بعض الآراء والمخلفات الفكرية والمادية من الحضارات الأخرى. وأرجو أن أكون وفقت في ذلك. هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
حقيقة الإنفتاح الفكري
توطئة:
لقد خلق الله سبحانه وتعالى الانسان وأنزله إلى الأرض ليكون خليفة له في إقامة الحق والعدل والعبودية له، وتظهر معاني اسمائه وصفاته في خلقه. وأنزل له من الدين ما يكون موافقًا لطبيعة ذلك الإنسان وفطرته التي خلقه الله عليها. وأرسل الرسل الكرام للقيام بتذكير الإنسان بحقيقة وجوده وحكمته، وتذكيره بأن الدين الذي أنزله الله تعالى له هو أساس سعادته وفلاحه في الدنيا والآخرة، يقول تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} (الرعد: من الآية28) والقيام - كذلك - بالانذار له من ترك ما أنزله الله تعالى، وبيان ما يترتب على ذلك من خراب حياته وشقاء نفسه وعذابه في معاده، يقول تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكًا. ونحشره يوم القيامة أعمى} (طه:124) .
هذه الحقيقة الكبرى لها أهمية عظيمة في بناء الإنسان والمجتمع، والتعامل مع كل ما حوله من الأفكار والمناهج والآراء والفلسفات. ومن رحمة الله تعالى بالإنسان أنه لم يدعه يصنع تصوره الاعتقادي ومنهجه التشريعي بنفسه، لأن الإنسان يعتريه الهوى والجهل، فهو أعجز وأضعف من عمل ذلك.
ولذا فكان الدين بعقائده وتشريعاته منحةً إلهية من العليم الخبير لم يسندها إلى الإنسان العاجز، يقول أبو الحسن الندوي رحمه الله:"وقد كان الأنبياء عليهم السلام أخبروا الناس عن ذات الله وصفاته وأفعاله، وعن بداية العالم ومصيره، ومايهجم عليه الانسان بعد موته، وأتاهم علم ذلك كله بواسطتهم عفوًا دون تعب، وكفوهم مؤونة البحث والفحص في علوم ليس عندهم مبادئها، ولامقدماتها التي يبنون عليها بحثهم، ليتوصلوا إلى مجهول، لأن هذه العلوم وراء الحس والطبيعة، ولاتعمل فيها حواسهم، ولايؤدي إليها نظرهم وليست عندهم معلوماتها الأولية. لكن الناس لم يشكروا هذه النعمة، وأعادوا الأمر جذعًا، وبدأوا البحث آنفًا، وبدأوا رحلتهم في مناطق مجهولة لايجدون فيها مرشدًا ولاخريتًا وكانوا في ذلك أكثر ضلالًا وأشد تعبًا وأعظم اشتغالًا" (1) .
(يُتْبَعُ)