ـ [الطيب صياد] ــــــــ [28 - Jul-2010, مساء 09:35] ـ
* كتاب (تقدُّم العلم) لم أره مترجمًا، ولكن قرأت عن بعض مواده أكثر من ترجمة في الدراسات الفلسفية، وصرَّح فيه بأن مادته مما حوته ذاكرته، ولم يكن على خُلُق كريم؛ فكان رئيس غرفة التعذيب في البلاط الملكي، وكان مرتشيًا، وكان مرافعًا فذًا في سبيل إعدام صديقه (الأيرأوف أيسكيس) لقاء مبلغ من المال! .. وهو بخلاف إمام الفلسفة الحديثة رينيه ديكارت (1596 - 1650م) ؛ فكان إمامًا في التأمل والنظر، مجددًا في الفلسفة، عاملًا جادًا لا يُقَصِّر في أداء فروض دينه المسيحي، ولكنه مع هذا غير نظيف العرض، يغامر ويجاهر، وهذا نوع من الجنون .. وإن أولو العلم هؤلاء غير سويين، وكنت في حيويَّة الشباب معجبًا بمذهبه في أَوَّلية الضرورات الفطرية (الأفكار الخالصة) ؛ لما فيها من نصر لبرهان وجود الله بصفات الكمال، ولما فيها من الموافقة للإمام ابن حزم رحمه الله تعالى، ثم تبيَّن لي بعد التمكُّن في العلم والنظر أن برهانه صحيح، ودعوى الأفكار الفطرية الخالصة القبلية دعوى غير صحيحة عند ابن حزم وديكارت معًا، لأن الله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا، ولأن ضروراتنا الفكرية تتدرَّج في الحافظة من قوى العقل بمقدار ما نَعي من هُوِيات الأشياء وعلاقاتها وفروقها؛ وإنما الفطرة الأولية ملكات العقل تصورًا وتمييزًا وحكمًا وحفظًا واستذكارًا .. ومثل ديكارت عبقري الأدباء والكتاب فولتير (1694 - 1778م) كان لا يبدأ الكتابة إلا عندما يضع أمامه مجموعة من أقلام الرصاص لا تقل عن اثني عشر قلمًا، وبعد أن ينتهي من الكتابة يُكِّسرها ويلفها في الورقة التي كان يكتب عليها ويضعها تحت وسادته عندما ينام، وإمام الرومانسية، وفتيل الثورة الفرنسية جان جاك روسو (1712 - 1778م) كان يخشى البرق والرعد؛ لأنه يظن أن كل شيئ في الوجود منافس له، وكان لا يأكل إلا الطعام الذي يجهزه بنفسه - وقريب من ذلك الموسيقار محمد عبدالوهاب -، وكانت ليلاه التي جن بها بادلته الحب ووجهت أدبه (دواورين) ؛ فإذا به يتزوج خادمة أمية تُدْعى تيريز لوفاسور، وإذا به يُدخل أولاده الخمسة بملجإ اللقطاء .. ومحرر الأمريكيين جورج واشنطن (1732 - 1779م) الجنرال السياسي القدير كان يرتبك أمام الغرباء لشدة خجله، ولخجله الشديد كان شديد الكبرياء، وأحد الدهاة السياسيين (تاليران) صديق نابليون ووزير خارجيته كان قسيسًا داهية حليمًا سريع البديهة ذا أخلاق فاضلة في أمور كثيرة، ومع هذا كان مرتشيًا، وتزوج على الرغم من أنه قسيس، وذلك مُحَرَّم عندهم، وكان زواجه من عاهرة وهو يعلم، وقد دبَّر المؤامرات ضد صديقه نابليون وكان كأبي براقش يتكيف مع الأوضاع، وأعظم عبقرية عسكرية نابليون بونابارت (1769 - 1821م) لم يكن يشرع في رسم أي خطة حربية إلا وهو يمتص أقراص السوس، وكان خطه رديئًا يظنه الناس خرائط حربية، وأحد مؤسسي الاشتراكية العلمية روبرت أوين (1771 - 1858م) تحول من قائد للعمال له صداه واحترامه إلى أسقف لطائفة صغيرة، وعلَّل برتراند رسل ذلك بأن طموحه أكبر من حجمه وأكثر من عمره، وشاعر الإنجليز بايرون (1778 - 1824م) كان شعره ظاهرة جنونية مردُّها إلى عقد ورثها عن سير الأدباء، ويطول بي عرض هذه العقد، والشاعر شيللي (1792 - 1822م) كانت حياته كلها نومًا وقراءة، كان يأكل وينسى أنه أكل، ويغلبه النعاس في النهار فينام في أي مكان كالطفل .. ذكر صديقه تريلوني أنه ترك شيللي في الساعة العاشرة صباحًا وكان واقفًا بجوار مدفأة غرفة مكتبه يقرأ، ثم عاد إليه في الساعة السادسة من مساء اليوم نفسه فوجده على حالته ذا شحوب وإعياء، وبلزاك هو نورادي (1799 - 1850م) الكاتب القاص الفرنسي المشهور لم يكن أقرباؤه وأصدقاؤه يعرفون له مقرًا ثابتًا، وكان يسكن بيتًا ثم يستبدل به آخر بعد أيام أو ساعات، وكان ضعيف الذاكرة لا يعرف اسم اليوم أو الشهر أو العام الذي هو فيه، وَوِرْث جورج صاند في مذكراتها نصَّت على أنه متغطرس لا يترك الحديث عن نفسه، وكان يسير في الشوارع، ويسجل أرقام البيوت، ثم يجمع الأرقام، فإذا كان المجموع مضاعفات الرقم 3 سار في طريقه ضاحكًا مستبشرًا (وفيه شبه بابن الرومي) ، ووالد بلزاك مكث طريح الفراش عشرين عامًا دون داع،
(يُتْبَعُ)