فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [حمد الصالح] ــــــــ [14 - Apr-2008, مساء 03:47] ـ
التجديد الفقهي: محمد أركون نموذجًا
عبدالله بن محمد السعوي
مكونات الثقافة الإسلامية لا تتذمر من التجديد، ولا تضيق به ذرعًا، بل تتبناه وتحرض على مباشرته، وعلى بلورة كينونة حديثة له، وعلى محورية الوعي بكيفية إسقاطه على الواقع المتعين، وتاريخ أمتنا العريق مترع بالعديد من المجددين أمثال عمر بن عبدالعزيز الذي جدد سنن الخلفاء الراشدين بعد اندثارها واندراس معالمها، والشافعي الذي دشن لعلم أصول الفقه، وابن تيمية وابن القيم وابن الوزير وولي الله الدهلوي والغزالي وغيرهم. إن تجديد الشيء لا يجري بإزالة جوهره، ومصادرة خصائصه، فهذا ليس تجديدًا بل هو تقويض تتداعى جراءه معالم الفقه، وتندك صروحه، وتبلى مكوناته الأساسية؛ إن تجديد الفقه لا بد أن يكون من داخله وبأدواته المعتبرة، وأن تجري ممارسة ذلك من قبل أربابه وعلمائه وذوي الاختصاص الذين محضوا نشاطاتهم وقفًا عليه.
التجديد في الفقه لا يكتسب موضوعيته إلا باعتماد فقه الصحابة وفقه التابعين ووضع ذلك في عين الاعتبار بحسبه ثروة تشريعية وحقوقية هائلة، يجب الانبعاث التجديدي على ضوئها ووفقا لأصولها وخطوطها العريضة؛ في واقعنا الراهن كثر الأدعياء الذين تطفلوا على علم الفقه،وفرضوا أنفسهم عليه عنوة، ونصبوا أنفسهم علماء في مجال لم يؤهلوا له ولا يعون أبجدياته.
ينظّر أحدهم في أمهات المسائل، ويدبج عشرات المقالات، وقد ينسج عشرات الكتب ويروم أن يلغي تراث الأمة بأكمله،ويصادره عن بكرة أبيه، ويصم علماء الأمة بالجهل في الوقت الذي هو جاهل بالنصوص، لا يفقه مقاصد الشريعة، ولا يعي لغة العرب، لديه جهل رحب بأقوال الفقهاء، ولا يستوعب قواعد المذاهب، ارتطامه على وجهه في مستنقعات الجهل يحول بينه وبين أن يتقن قراءة صفحة من كتاب ثر، مثل الرسالة للشافعي، أو الموافقات للشاطبي، أو بدائع الصنائع للكاساني، أو المغني لابن قدامة أو المجموع للنووي أو الذخيرة للقرافي، أو البرهان لإمام الحرمين، أو المستصفى للغزالي، أو المحصول للرازي، إنه لا يستطيع أن يعزو كثيرا من الكتب إلى انتماءاتها المذهبية، فضلا عن معاينتها، أو البحث في بطونها، وفيما بين دفتيها، في هذا السياق يأتي محمد أركون كواحد من الذين يسعون إلى بلورة فلسفة جديدة للتجديد، مع أنه لا يملك ما يؤهله لولوج هذا الباب!!، فالتجديد يمثل لديه انقلابا شاملا على الرؤية الإسلامية، من خلال جل أطروحاته، والتي يمارس فيها قراءة جلمودية صلدة للتراث الفقهي، ومن أبرز أعماله كتابان هما (من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي) و (تاريخية الفكر العربي الإسلامي) إذ هما يمثلان نموذجا لما يراه في أصول الفقه الإسلامي أو مصادره الأصلية، وهما القرآن والسنة، ففي كتابه (تاريخية الفكر العربي الإسلامي ص288) يستهين بالشريعة، ويشتغل على إقصاء منطلقاتها، وتعزيز نفيها، وتوهين حضورها في الواقع المسلم ويؤكد أن كتاب الرسالة للإمام الشافعي ليس إلا (الحيلة الكبرى التي أتاحت شيوع ذلك الوهم الكبير بأن الشريعة ذات أصل إلهي) وفي كتابه (من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي) تحدث عن المصدر التأسيسي الأول لأصول الفقه وهو القرآن الكريم فشكك في صحته ونعته بالقرآن الرسمي (انظرصفحة 34) ولا تعجب أخي القارئ، فأركون يذهب إلى أبعد من ذلك حيث يرى أن الله تعالى وتقدس عبارة عن مشكلة!! (انظرالإسلام والحداثة ص343) ، وهو يرى أيضا أن الناسخ والمنسوخ شأن يلائم انتهازية المشرعين، وأنه عمل من إنتاج علماء الأصول لمعالجة النصوص التي يرى أنها متناقضة (انظر: من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي ص 69) .
ويشن هجوما نقديا عاصفا على الصحابة متهما لهم بالتلاعب بالنصوص القرآنية من أجل تشكيل علم التوريث حيث يقول: (إن المشرعين من البشر أي الفقهاء قد سمحوا لأنفسهم بالتلاعب بالآيات القرآنية من أجل تشكيل علم للتوريث يتناسب مع الإكراهات والقيود الاجتماعية- الاقتصادية الخاصة بالمجتمعات التي اشتغل فيها الفقهاء الأوائل) انظر (من الاجتهاد الى نقد العقل الإسلامي ص67) .
(يُتْبَعُ)