ـ [أبو محمد التونسي] ــــــــ [11 - May-2008, صباحًا 04:34] ـ
الطريق إلى إنقاذ الأمة - بين محمود شاكر و سيّد قطب
سيد قطب ومحمود شاكر - رحمة الله عليهما - عملاقان غنيان عن التعريف، فهما من عمالقة فكرنا الإسلامي الحديث لا يكاد يضاهيهما أحد في مكانتهما في الفكر واللغة والأدب، وإثراء المكتبة الإسلامية وتغذية عقول أبناء الإسلام في عصرنا، لا ينازع في هذا إلا مكابر معاند ركبه الهوى والحسد لمكانتهما أو جاهل غرّير ليس من العلم في كثير أو قليل.
وقد كان السجال بين الرجلين حول أدبيات ذينك الزمن معروفًا في الأربعينيات من القرن الماضي، ولا أظن أنه أفسد ما بينهما إذ إن كلا الرجلين أكبر من أن تفسد نفسه لخلاف أدبي كان من سيماء العصر المنصرم. ولسنا بصدد الحديث عن تلك المعارك الأدبية التي احتدّت بين الرجلين حول العقاد وأدبه وشعره، وإن كان ذلك مما يجب التصدى له في موضع آخر لأهميته في فهم منطلقات الرجلين وتطورهما الفكري خاصة فيما يخص الأستاذ سيد رحمة الله عليه.
إنما نريد أن نتقصّى في هذا الموضع أمر آخر، إنعكس في كتابات الرجلين ونحسب أنه من أهم ما يمكن أن يرجع اليه المسلمون في عصرنا هذا إذ هو يتعلق برؤية كلا منهما في الطريق الناجع إلى إحياء الأمة وإعادة مجدها والنهوض بأبنائها لتحتل مكان الصدارة كما ينبغي لها في قيادة البشرية.
يذهب الأستاذ محمود شاكر فيما كتب إلى أن الطريق إلى تحقيق ذلك الأمر يكون من خلال انبعاث"رجل"من عامة الناس يعاني معاناتهم ويتفهم مشكلاتهم ليرتفع فوق الواقع ويجدد للأمة مجدها. يقول الأستاذ محمود في نصّ لا يحتاج إلى مزيد بيان في غرضه هذا:"إن هذا الإصلاح الآن موقوف على شيئ واحد، على ظهور"الرجل"الذي ينبعث من زحام الشعب المسكين الفقير المظلوم يحمل في رجولته السراج الوهاج المشتعل من كل نواحيه، الرجل المصبوب في أجلاده من الثورة والعنف والإحساس بآلام الأمة كله، وآلام الأجيال الصارخة من وراء البنيان الحي المتحرك على هذه الأرض الذي يسمى"الإنسان" [1] . ثم يبين الأستاذ أن"ظهور هذا الرجل ليس بالأمر الهيّن، ولا إعداده بالذي يترك حتى يكون". ثم يبيّن الأستاذ شاكر أن وسيلة ظهور مثل هذا الرجل لا تكون إلا بأن يمهّد الأدباء والعلماء والإصلاحيين في هذه الأمة لهذا الظهور بأن"يرموا بما يكتبون إلى إيقاظ كل كامنة من نار الهداية المحاربة التي لا تخمد،. . . .فهو يمشى بها في كل عمل ولو في نقل البريد من مكان إلى مكان. إذن فأول الإصلاح الإجتماعي هو إدماج عواطف الفرد في مصالح الجماعة". ثم يخلص إلى أنّ تهيئة هذه الظروف الإجتماعية قمين بأن"يبعث الرجل الذي سوف يضيئ للحياة الإجتماعية سُدَف الجهل والبغي والإستبداد" [2] ."
فمذهب الأستاذ محمود إذن ينبني على أن الإصلاح موقوف على"رجل"يقود الشعب، وهو مستلهم في هذا للمنهج الرباني في إرسال"رجل"نبي أو رسول إلى قومه ثم إن هذا الرجل - في غير حالة الرسول أو النبي - لينشأ من براعم ذلك الخليط المتجانس من النخبة العالية التي تتربى على أرفع المبادئ وأقوم الأخلاق.
والأستاذ سيد يذهب في هذا الأمر مذهبًا آخر، إذ يرى أن الفرد الملهم ليس بحتمية تاريخية يتوقفُ عليها إنقاذ الأمة، بل على العكس من ذلك، فإن النجاة تتحقق بمجموع الأفراد ذوى المبادئ والأخلاق الذين يقوم علي جهدهم المجتمع المثالي. وفي هذا الصدد يتحدث الأستاذ سيد عن تلك"الفئة"أو"الطليعة"التي تستعلي بالإيمان و"تقود البشرية". يقول الأستاذ سيد:"لقد خرّجت هذه الدعوة جيلا من الناس - جيل الصحابة رضوان الله عليهم - جيلا مميزا في تاريخ الإسلام كله وفى تاريخ البشرية جميعه. ثم لم تعد تخرج هذا الطراز مرة أخرى. . نعم وُجد أفراد من ذلك الطراز على مدار التاريخ. ولكن لم يحدث قط أن تجمع مثل ذلك العدد الضخم، في مكان واحد، كما وقع في الفترة الأولى من حياة هذه الدعوة"معالم في الطريق. . وهذا الأمر - أمر هذه الفئة - هوما يجب أن يستلهمه المؤمنون إذ إن هذه الظاهرة"ذات أثر حاسم في منهج الدعوة واتجاهها"المعالم [3] . وحقيقة أن الله سبحانه يرسل إلى البشرية رجلًا فردًا ليقودها من
(يُتْبَعُ)